الطوفان الممتد من غزة إلى إيران… التوريط الإقليمي والمكاسب الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية
28 Feb 2026

السابع من أكتوبر يمثل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الفلسطيني مع العدو الاسرائيلي إذ لم يكن مجرد حدث تكتيكي عابر، بل شهيقًا لطوفان أعاد رسم موازين القوى الإقليمية. القطاع الأكثر تضررًا كان غزة، التي دفعت الثمن المباشر من دماء ودمار واستنزاف البنية التحتية، بينما الشعب الفلسطيني عامة حقق الكلفة الاستراتيجية والسياسية لتوريط القوى الكبرى في صراع ممتد. ما بدأ كاشتباك فلسطيني محلي تراكم تدريجيًا وانتشر كـ “بقعة الزيت” ليشمل لبنان واليمن وإيران، ودفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة مع إيران، ما يؤكد أن التوريط الإقليمي أصبح حقيقة ملموسة وليست مجرد توقعات. وفق نظريات الصراع الثوري، هذا الانتقال من صراع محلي إلى إقليمي يعكس قدرة حركة المقاومة على توظيف الديناميات التراكمية وتحويل الصدمات التكتيكية إلى قوة استراتيجية طويلة المدى، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.


أحد أبرز النتائج هو تآكل الردع الإسرائيلي. نظرية الردع التقليدية تفترض أن السيطرة على الساحة العسكرية والسياسية تكفي لمنع الخصم من التحرك، لكن التجربة الفلسطينية أظهرت فشل هذه الفرضية. لقد أثبتت المقاومة قدرتها على توسيع رقعة المعركة وفرض معادلات ردع جديدة، بحيث أصبح أي هجوم على فلسطين مرتبطًا بردود فعل إقليمية فورية. التوريط الإقليمي بهذا الشكل يمثل تطبيقًا عمليًا لمفهوم “التوريط الثوري” في النظرية الاستراتيجية الحديثة، حيث يتم استثمار التناقضات الإقليمية لإضعاف خصم مركزي، مع الحفاظ على الحد الأدنى من السيطرة على الأرض الوطنية.


رغم الإنجاز الاستراتيجي، فإن الكلفة كانت عالية، ولا يمكن تجاهلها. غزة دفعت دماءها ومواردها، ما يوضح أن أي مشروع ثوري يعتمد على توريط القوى الكبرى لا يخلو من تكلفة مباشرة وحتمية. إلا أن الإدارة الاستراتيجية لهذه التكلفة، وفق ما نصت عليه النظريات الثورية الحديثة، تسمح بتحويل الخسارة الظاهرية إلى ميزة تكتيكية واستراتيجية. فقد استثمرت المقاومة كل موجة تصعيد لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وأظهرت قدرة على الحفاظ على استقلالية القرار الوطني رغم الضغوط الخارجية.


التحول الأخير إلى مواجهة مباشرة مع إيران يعكس صعود المرحلة الثانية من الطوفان الاستراتيجي، حيث لم تعد المواجهة محصورة ضمن حدود فلسطين، بل تشمل مركز قوة إقليميًا، مما يفرض على الأطراف الكبرى إعادة حساباتها باستمرار. هذا يشكل اختبارًا عمليًا لنظريات الصراع الثوري، التي تؤكد أن امتداد المعركة عبر الحدود واشتباك القوى الإقليمية يسمح بتحويل الصراع المحلي إلى قوة استراتيجية ذات تأثير على المدى البعيد. في هذا الإطار، يصبح لكل خطوة فلسطينية وقع إقليمي مباشر، ويصبح التحكم في مسار الأحداث أداة لتحقيق الإنجاز الثوري دون التفريط بالموارد أو الاستقلالية السياسية.


المرحلة المقبلة تتطلب دمج التقدير الاستراتيجي مع الإدارة العملية: الحفاظ على مركزية القرار، إدارة الموارد البشرية والمادية، واستثمار كل تصعيد لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية محددة. الإنجاز الثوري للمقاومة يتمثل في قدرتها على كسر الردع الإسرائيلي وتعزيز الحضور الدولي للقضية الفلسطينية، مع تحويل كل تحدٍ إلى عنصر قوة محسوب. وفق النظريات العلمية الثورية، هذه القدرة على تحويل الديناميكية التراكمية للطوفان إلى قوة استراتيجية مستدامة تضع فلسطين في موقع مؤثر ضمن الحسابات الإقليمية والدولية، وتجعل كل صراع لاحق يخضع لميزان القوى الجديد الذي فرضته المقاومة.


ختامًا، المعركة الممتدة منذ السابع من أكتوبر تثبت أن الثورة ليست لحظة عابرة، بل مشروع طويل المدى يُدار وفق معادلات استراتيجية دقيقة، تجمع بين الإنجاز التكتيكي والتوريط الإقليمي، مع إدارة محسوبة للكلفة البشرية والمادية. هذا التوازن بين الإنجاز والتكلفة والاستقلالية السياسية هو ما يحول الديناميكية التراكمية للطوفان إلى معركة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وتحقيق المكاسب الوطنية على المدى البعيد.