في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الإداري والقانوني، أعلن وزير المالية الإسرائيلي ووزير شؤون الاستيطان في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، إلغاء ما تبقى من الترتيبات المرتبطة باتفاق الخليل، وسحب صلاحيات التخطيط والبناء الممنوحة لبلدية الخليل، وحصرها بيد المؤسسات الإسرائيلية. ورغم أن القرار يبدو للوهلة الأولى إجراءً تنظيمياً يتعلق بإدارة المدينة، إلا أن قراءته ضمن سياق السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تكشف أنه يمثل حلقة جديدة في مشروع إعادة تشكيل الواقع السياسي والقانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
منذ سنوات، لم تعد الحكومة الإسرائيلية الحالية تنظر إلى اتفاقيات أوسلو وما انبثق عنها باعتبارها إطاراً سياسياً مؤقتاً يقود إلى تسوية نهائية، بل باعتبارها قيوداً ينبغي التخلص منها تدريجياً. وفي هذا السياق، يأتي استهداف الخليل بوصفها إحدى أكثر المدن حساسية في الصراع، ليس فقط لثقلها الديموغرافي والاقتصادي، وإنما أيضاً لمكانتها الدينية والتاريخية، ولوجود بؤر استيطانية داخل نسيجها العمراني.
اللافت في القرار أنه يستهدف ملف التخطيط والبناء تحديداً. ففي التجارب الاستعمارية والاستيطانية، لا تُقاس السيادة بعدد الجنود المنتشرين في الميدان فحسب، بل بمن يمتلك سلطة تنظيم الأرض وتحديد استخداماتها ورسم مستقبلها العمراني. ومن يملك حق منح التراخيص أو منعها، وتحديد أماكن التوسع السكاني وشبكات الطرق والبنية التحتية، يمتلك عملياً القدرة على صياغة الواقع السياسي على الأرض.
لذلك فإن سحب هذه الصلاحيات من بلدية الخليل لا يعني فقط تقليص دور مؤسسة محلية، بل يعني نقل أحد أهم أدوات السيادة الفلسطينية المحدودة إلى سلطة الاحتلال مباشرة. وهذا التحول يعكس انتقال إسرائيل من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة السعي لتكريس سيطرة دائمة عليه.
وإذا كانت اتفاقية الخليل قد مثلت منذ عام 1997 أحد النماذج التطبيقية لفكرة تقاسم الصلاحيات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن القرار الجديد يعكس توجهاً معاكساً تماماً، يقوم على إعادة تركيز السلطة بيد إسرائيل وتقليص أي مظهر من مظاهر الإدارة الفلسطينية المستقلة. ومن هنا لا تبدو المسألة مرتبطة بمخطط هيكلي أو رخصة بناء، بل بمفهوم السيادة ذاته ومن يمتلك حق تقرير مستقبل المدينة.
سياسياً، يحمل القرار رسالة مزدوجة. الأولى موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، وتحديداً إلى جمهور اليمين الديني والقومي الذي يرى في الخليل رمزاً مركزياً للمشروع الاستيطاني. أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الفلسطينيين والمجتمع الدولي، ومفادها أن إسرائيل لم تعد تشعر بوجود أثمان سياسية حقيقية تدفعها للحفاظ على الاتفاقات السابقة أو الالتزام بها.
كما أن القرار يأتي في لحظة إقليمية ودولية تشهد انشغالاً بملفات أخرى أكثر إلحاحاً، ما يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً أوسع لفرض وقائع جديدة دون مواجهة ضغوط مؤثرة. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تستغل الحكومات ذات التوجهات الأيديولوجية الفرص لإحداث تغييرات هيكلية يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
أما على المستوى الفلسطيني، فإن الخطورة لا تكمن فقط في فقدان صلاحية إدارية هنا أو هناك، بل في ما يعكسه القرار من مسار متراكم يستهدف تقليص الحضور السياسي والقانوني الفلسطيني في الضفة الغربية. فكل صلاحية تُسحب من المؤسسات الفلسطينية، وكل ملف يُنقل إلى الإدارة الإسرائيلية، يؤدي عملياً إلى تحويل السلطة الفلسطينية من كيان يمتلك بعض أدوات الحكم الذاتي إلى جهاز يقدم الخدمات للسكان تحت سقف السيطرة الإسرائيلية.
ومن منظور استراتيجي، يمكن اعتبار ما يجري في الخليل نموذجاً لما قد تسعى إسرائيل إلى تعميمه في مناطق أخرى من الضفة الغربية. فنجاح هذه الخطوة دون ردود فعل مؤثرة قد يشجع على توسيعها لتشمل صلاحيات إضافية أو مناطق أخرى، بما يؤدي تدريجياً إلى تفريغ الاتفاقات السابقة من مضمونها الفعلي. ولذلك فإن القرار ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشراً على اتجاه استراتيجي جديد، لا مجرد حدث منفصل أو خلاف إداري عابر.
التقدير
تشير المعطيات إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية انتقلت من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة إعادة هندسة الواقع السياسي والقانوني في الضفة الغربية. والخليل، بما تمثله من رمزية دينية ووطنية واستيطانية، تبدو ساحة مثالية لاختبار هذا التحول. وإذا لم تواجه هذه الخطوة بكلفة سياسية أو قانونية حقيقية، فمن المرجح أن تتحول إلى نموذج قابل للتوسع في مناطق أخرى.
بمعنى آخر، لا تكمن أهمية القرار فيما سحب من صلاحيات بلدية الخليل، بل فيما يكشفه من تصور إسرائيلي لمستقبل الضفة الغربية، تصور يقوم على تقليص الحيز السياسي الفلسطيني وتوسيع الحضور السيادي الإسرائيلي بصورة تدريجية ومتراكمة.
التوصيات
أولاً، عدم التعامل مع القرار باعتباره قضية بلدية أو إدارية، بل باعتباره خطوة سياسية تمس الوضع القانوني للخليل وتندرج ضمن مشروع الضم التدريجي للضفة الغربية.
ثانياً، إعادة إحياء ملف الخليل على المستوى الدولي، بوصفه قضية تتعلق بإجراءات أحادية الجانب تستهدف تغيير الترتيبات القانونية والسياسية القائمة، وليس مجرد خلاف حول صلاحيات محلية.
ثالثاً، بناء رواية فلسطينية موحدة تركز على أن القضية تتعلق بالسيادة والحقوق الوطنية ومستقبل المدينة، لا بمسألة فنية مرتبطة بالتخطيط والبناء فقط.
رابعاً، تعزيز صمود السكان والمؤسسات المحلية، لأن معركة الأرض تبدأ غالباً بالسيطرة على التخطيط العمراني واستخدامات الأراضي، وتنتهي بإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي.
خامساً، تطوير آليات الرصد والاستشراف السياسي، لأن أهمية القرار تكمن في كونه مؤشراً على مسار أكبر قد يمتد إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة
إذا كان اتفاق الخليل قد مثّل قبل ما يقارب ثلاثة عقود نموذجاً لتقاسم الصلاحيات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن قرار سموتريتش يمثل محاولة لإنهاء هذا النموذج واستبداله بنموذج السيادة الإسرائيلية المباشرة. ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في فقدان صلاحية تخطيط أو بناء، بل في تحول هذه الخطوة إلى سابقة سياسية وقانونية تؤسس لتفكيك ما تبقى من البنية التي قامت عليها الاتفاقات الانتقالية في الضفة الغربية.
وعليه، فإن ما يجري في الخليل اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره حدثاً محلياً يخص المدينة وحدها، بل باعتباره جزءاً من معركة أوسع على مستقبل الضفة الغربية، وحدود السلطة الفلسطينية، وشكل التسوية التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على الأرض من جانب واحد.