يشكل إغلاق ملف الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة حدثاً محورياً، لا يمكن تفسيره من زاوية الإنجاز العسكري أو التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي، بل يجب قراءته كنتاج مباشر لإرادة المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، التي أفرجت عن معظم الأسرى أو كشفت عن أماكن وجودهم. إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً وتقنياً وأمنياً متقدماً، بما في ذلك الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، وحدات العمليات الخاصة، وأجهزة الاستخبارات المتعددة، فشلت بشكل كامل في استعادة الأسرى سواء أحياء أو أموات عبر القوة العسكرية أو العمل الاستخباري المباشر.
هذه المعطيات تؤكد أن السيطرة الفعلية على ملف الأسرى ظلت بيد المقاومة حتى اللحظة الأخيرة، وأن إعلان الجيش الإسرائيلي العثور على جثة الأسير الأخير لا يمثل إنجازاً عملياً، بل إغلاقاً متأخراً لملف لم تُحسم نتائجه بالقوة. الفشل الإسرائيلي في هذا الملف أسقط إحدى الركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، المتمثلة في القدرة على استعادة الأسرى تحت النار، وأجبر القيادة السياسية على الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق التفاوض والانتظار.
سياسياً، تكمن أهمية هذا الحدث في أن إسرائيل ستسعى غالباً إلى إعادة كتابة الرواية، من خلال الادعاء بأن الضغط العسكري هو الذي أنهى ملف الأسرى، بينما الواقع العملياتي والتاريخي يؤكد العكس. المقاومة الفلسطينية هي التي أزالت من يد القيادة الإسرائيلية ذريعة استمرار الحرب المفتوحة تحت شعار إعادة المختطفين، وهي التي أغلقت الملف وفق شروطها، لا وفق شروط الاحتلال.
في ضوء هذا السياق، يصبح فتح معبر رفح جزءاً من استحقاقات المرحلة الثانية التي تفرضها الإدارة الأمريكية، ومرتبطاً مباشرة بإغلاق ملف الأسرى. من حيث المبدأ، لم تعد هناك ذريعة تفاوضية تمنع الفتح، لكن ما يُطبَّق عملياً سيكون فتحاً وظيفياً محدوداً، لا فتحاً سيادياً كاملاً، مع مراقبة صارمة، كأداة إدارة للأزمة، وليس كتحول استراتيجي يعيد لغزة سيادتها على معابرها.
أما بالنسبة للقرار السياسي الإسرائيلي، فإن رئيس الحكومة لا يملك ترف الانقلاب الكامل على المرحلة الثانية، إذ أن أي محاولة صريحة للإلغاء ستشكل صداماً مباشراً مع الإدارة الأمريكية، وهو خيار مكلف سياسياً وأمنياً. السيناريو المرجح هو الالتفاف والإفراغ، أي القبول الشكلي مع تعطيل التنفيذ العملي أو الحد من فعاليته.
الحجج التي قد يلجأ إليها نتنياهو تشمل: الذريعة الأمنية التقنية، بالتأكيد، سواء عبر الإشارة إلى تهديدات محتملة أو مخاطر تشغيل المعابر، وذريعة إجرائية دولية، بالقول إن آليات الإشراف أو التنسيق مع الأطراف الدولية أو الإقليمية غير مكتملة وتحتاج ترتيبات إضافية. كل هذه الحجج تهدف إلى تقليل الكلفة السياسية على الحكومة، لا إلى إفشال المرحلة الثانية كلياً.
من جهة أخرى، من الواضح أن الولايات المتحدة لن تسمح بإسقاط المرحلة الثانية، لأنها تمثل نجاحاً سياسياً مباشراً لها، وأي تعطيل إسرائيلي فج سيُفهم في واشنطن على أنه إحراج مباشر للإدارة، لا مجرد خلاف تقني. بالتالي، ستظل إسرائيل مضطرة للتحرك ضمن السقف الأمريكي، لا خارجه، وستظل المناورة محدودة تحت ضغط السياسة الأمريكية والضرورات الاستراتيجية للمرحلة الثانية.
وفي الختام ان المرحلة المقبلة ليست صراعاً على مبدأ المرحلة الثانية، بل على مضمونها وحدود تنفيذها، وأن القرار السياسي الفعلي لم يعد إسرائيلياً خالصاً، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالضغوط والإرادة الأمريكية، مع محدودية هامش المناورة الإسرائيلية في سياق الصراع المستمر مع المقاومة الفلسطينية.