حين تُغرس السهام في الظهر طعنة القريب وأصل المأساة
04 Aug 2026

بين جرائم الاحتلال ومسؤولية المجتمع الدولي والانقسام الداخلي… قراءة قانونية وأخلاقية في مأساة غزة ومن يحاولون تحميل الضحية مسؤولية جريمة الجلاد.

ليس أشدَّ إيلاماً على النفس من أن يرى المرء أمةً تُباد على مرأى ومسمع من العالم، ثم يستيقظ ليجد من بين أبناء جلدته من ينسى الجلاد لينصرف إلى جلد الضحية. إنها مرارة تتجاوز حدود الألم الإنساني، حين تصدر من بعض الأصوات – مهما كانت قليلة أو شاذة – كلمات الشماتة بالمقاومة، أو التمني بزوالها، أو الاندفاع إلى ترديد رواية الاحتلال وتبرير أفعاله، وكأن المأساة بدأت بمن يدافع عن أرضه، لا بمن يحتلها.

إن هذا المشهد لا يمثل مجرد انحدار أخلاقي أو خلل في ميزان العدالة، بل يثير في الوقت ذاته قضايا قانونية بالغة الخطورة. فالقتل واسع النطاق للمدنيين، والتجويع المتعمد، والتهجير القسري، والاستهداف الواسع للأعيان المدنية، كلها أفعال قد تُشكّل، متى توافرت أركانها القانونية، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما أنها أصبحت محل ادعاءات وإجراءات قانونية دولية تتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، وهي مسائل يظل الفصل النهائي فيها من اختصاص الجهات القضائية الدولية المختصة.

ومهما اختلفت المواقف السياسية، فإن القانون الدولي الإنساني لا يجيز استهداف المدنيين أو استخدام التجويع وسيلةً للحرب أو فرض العقاب الجماعي على السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهي قواعد آمرة في القانون الدولي لا يجوز تعطيلها أو الانتقاص منها تحت أي ذريعة.

الشماتة في زمن الإبادة… ألم فوق ألم

كيف يطيب لامرئ أن يترك جبال الجرائم التي تُرتكب صباح مساء بحق المدنيين، لينشغل بالبحث عن زلة هنا أو خطأ هناك لدى شعب ومقاومة يقاوما الاحتلال منذ عقود؟ أيُعقل أن يتحول الجلاد إلى شاهد، وأن تصبح الضحية هي المتهم؟! إن من يترك المحتل المعتدي، ويوجه سهام غضبه إلى من يدافع عن أرضه وكرامته، كمن يرى الذئب يفترس القطيع ثم ينصرف إلى محاكمة الراعي لأنه حمل عصاه دفاعاً عنه.

ومن الناحية القانونية، فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها يُعد من المبادئ الراسخة في القانون الدولي، وقد أكدت عليه المادة الأولى المشتركة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أكدته قرارات عديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وأكدت محكمة العدل الدولية، في آرائها الاستشارية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، أن للشعب الفلسطيني حقاً ثابتاً في تقرير مصيره، وأن استمرار الاحتلال لا ينال من هذا الحق.

وفي المقابل، فإن القانون الدولي الإنساني يلزم جميع أطراف النزاع، دون استثناء، باحترام قواعده الأساسية، وفي مقدمتها حماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ومراعاة مبدأ التناسب. فمشروعية القضية لا تعفي أي طرف من الالتزام بقواعد القانون، كما أن وقوع انتهاكات من أحد الأطراف لا يمنح الطرف الآخر حق ارتكاب انتهاكات مماثلة.

إنها حالة غريبة من التعامي الأخلاقي؛ أصوات ترتفع بالصراخ على المقاومة، لكنها تصاب بصمتٍ مريب كلما ذُكر الاحتلال. يطالبون الضحية بالمثالية المطلقة وهي تواجه آلة حرب لا ترحم، بينما يمنحون القوة القائمة بالاحتلال حصانةً أخلاقية لا يمنحها حتى أكثر المدافعين عنها تطرفاً. ولو كان الإنصاف ميزانهم، لبدأوا بإدانة من قتل وهدم وحاصر وشرّد، قبل أن يحاكموا مقاومةً تدافع عن الحق في الحياة والحرية.

لا تجلدوا غزة… فالقائل خارج المعادلة

إننا نقولها بوضوح لا يحتمل الالتباس: لا تجلدوا غزة ولا تحملوا مقاومتها وحدهم أوزار هذه المأساة. فمن لم يكن حاضراً يوم احتاجت غزة إلى النصرة، ومن اكتفى بالمشاهدة أو بالعجز أو بالصمت، لا يملك اليوم أن يحتكر محاسبة أهلها أو يزايد على تضحياتهم. فأهل الميدان هم الأدرى بظروفهم، وهم وحدهم من يدفع الثمن الحقيقي لكل قرار، بينما يبقى الآخرون خارج دائرة النار وخارج معادلة التضحية.

لولا الخذلان… لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه

وهنا لا بد من وقفة صادقة مع النفس، قبل أن نلقي بكل المسؤولية على طرف واحد، أو نختزل مأساة غزة في قرار سياسي أو عسكري منفرد. فالتاريخ لا يُكتب بلحظة واحدة، والمآسي الكبرى لا تصنعها أسباب منفردة، بل تتراكم عبر سنوات من الاحتلال، والانقسام، والعجز الدولي، وغياب الإرادة السياسية القادرة على وقف الانتهاكات وحماية المدنيين.

ولولا الخذلان العربي والإسلامي والدولي، وهذا الواقع المرير الذي لا يمكن إنكاره، لما وجدت غزة نفسها وحيدة أمام واحدة من أعنف الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. فالقضية لم تكن فقط في حجم العدوان، بل في غياب موقف دولي فعال يضع حداً للانتهاكات، ويحول دون استمرار معاناة المدنيين.

إن المواقف السياسية، مهما كانت طبيعتها، لا تعفي الدول من التزاماتها القانونية الدولية. فالقانون الدولي يفرض على الدول احترام حقوق الإنسان، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، كما أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 تضع على عاتق الدول الأطراف التزاماً بالعمل لمنع وقوع الجريمة متى توافرت الظروف التي تشير إلى وجود خطر جدي بوقوعها. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في اجتهاداتها المتعلقة باتفاقية منع الإبادة الجماعية أن التزام الدول في هذا المجال ليس مجرد موقف سياسي أو أخلاقي، وإنما هو التزام قانوني ببذل ما في وسعها، وفق قدرتها وظروفها، لمنع وقوع الجريمة أو الإسهام في استمرارها. 

ومن هنا، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقاس فقط بما يعلنه من بيانات، بل بما يتخذه من إجراءات فعلية لحماية المدنيين، وضمان احترام قواعد القانون الدولي، ومنع الإفلات من العقاب. لقد شهد العالم بيانات كثيرة، واجتماعات عديدة، ومواقف دبلوماسية متكررة، لكن السؤال الذي سيبقى في ذاكرة التاريخ هو: هل تحولت هذه المواقف إلى أفعال حقيقية توقف نزيف الدم وتحمي الإنسان؟

كما أن المأساة الفلسطينية لا يمكن فهمها بعيداً عن الانقسام الداخلي الذي أضعف القدرة الوطنية على مواجهة الاحتلال، وسمح للعدو باستثمار الخلافات الفلسطينية لتحقيق أهدافه السياسية. فالانقسام لا يمثل مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح عاملاً أضعف الموقف الفلسطيني وأرهق المشروع الوطني وأتاح للاحتلال مساحة أكبر للمناورة. وفي المقابل، فإن النقد الداخلي، مهما كان ضرورياً، يجب ألا يتحول إلى تبرير للاحتلال أو إعفاء له من مسؤولياته القانونية. فوجود أخطاء داخلية أو خلافات سياسية لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال حق انتهاك قواعد القانون الدولي أو التنصل من التزاماتها تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال.

حين تكون الطعنة من الداخل أشد ألماً

لا يمكن تجاهل ظاهرة أكثر إيلاماً، وهي وجود أصوات فلسطينية وعربية اختارت، بدلاً من مواجهة الاحتلال ومساءلته، أن تنشغل بتبرير أفعاله أو تحميل الضحية والمقاومة مسؤولية المأساة. إن الاختلاف السياسي حق مشروع، والنقد البناء لأي طرف فلسطيني أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول وبين تبني خطاب يمنح الاحتلال شرعية أخلاقية أو يبرر انتهاكاته. فحين يتحول بعض الخطاب إلى تبرير للقتل أو التهجير أو التجويع، فإنه لا يعود مجرد موقف سياسي، بل يصبح جزءاً من أزمة أخلاقية عميقة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للشعوب هو أن تفقد قدرتها على التمييز بين المعتدي والضحية.

المقاومة بين التهمة والواقع

وعندما يُطرح السؤال: لماذا قاومت المقاومة إذا كانت ستصل في النهاية إلى اتفاق أو هدنة أو تسوية؟ فإن السؤال ذاته يحمل خللاً في فهم طبيعة الصراعات التاريخية. فكل حركات التحرر في العالم عرفت مراحل من القتال، والتفاوض، والهدن، وإعادة تقييم الخيارات. ولم تكن المفاوضات في ذاتها دليلاً على الهزيمة، كما لم يكن وقف إطلاق النار في كل الحالات استسلاماً، بل قد يكون أحياناً قراراً سياسياً تفرضه حسابات حماية الشعب وإدارة الصراع.

المقاومة التي تدرك متى تستخدم القوة، ومتى تفاوض، ومتى تقبل بمرحلة انتقالية، هي مقاومة تدير صراعاً معقداً، لا مجرد معركة لحظية. والأهم أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لا يسقط بسبب تغير الظروف السياسية أو العسكرية. فهذا الحق ثابت في القانون الدولي، لكنه في الوقت ذاته لا يلغي ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني من جميع الأطراف.

ومن الخطأ اختزال القضية كلها في سؤال: من انتصر عسكرياً في معركة محددة؟ فالشعوب لا تقاس فقط بعدد الجولات العسكرية، وإنما بقدرتها على الحفاظ على حقوقها الوطنية، وصون وجودها، والاستمرار في المطالبة بالعدالة والحرية. 

رسالة إلى أهلنا في غزة

إلى أهلنا الصامدين في غزة العزة نقول: لو قبلتم اتفاقاً لوقف إطلاق النار قلنا: لقد اخترتم ما أتاحته ظروف الميدان، وما رأيتم فيه حفظاً لما تبقى من الأرواح وسط هذا الركام...ولو رفضتموه قلنا: أنتم أهل القرار، وأنتم الأدرى بواقعكم، ولا أحد أقدر منكم على تقدير مصلحة شعبكم في لحظة تختلط فيها الدماء بالأنقاض...لو واصلتم المواجهة قلنا: إنكم تتحملون ما تعجز عنه الجبال، ولو اخترتم التهدئة قلنا: إن حماية الإنسان الفلسطيني، وإنقاذ الجرحى والأطفال، والسعي إلى وقف نزيف الدم، غاية وطنية وإنسانية لا تقل شرفاً عن الصمود في ساحات القتال. فالمقاومة ليست فعلاً عسكرياً مجرداً، وإنما هي قبل كل شيء مسؤولية وطنية تُوازن بين الثبات على الحقوق وحماية الإنسان، وتقدير الممكن في كل مرحلة من مراحل الصراع.

إن القانون الدولي يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في تقرير مصيرها، لكنه في الوقت ذاته يُلزم جميع أطراف النزاع باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها حماية المدنيين وعدم تحويلهم إلى ضحايا للصراع. ومن ثم، فإن نجاح أي خيار سياسي أو ميداني يُقاس بقدر ما يحافظ على الإنسان الفلسطيني، ويصون حقوقه الوطنية، ويمنع الاحتلال من تحويل معاناته إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع.

فلا تجعلوا للمتخاذلين، ولا للمزايدين ولا المنهزمين، ولا لمن يتاجرون بآلامكم، سلطاناً على قراركم. فالكثيرون يتحدثون من خارج دائرة الخطر، بينما أنتم وحدكم من تحملتم عبء الحصار، والجوع، والدمار، وفقد الأحبة، ودفعتم أثماناً لم يعرفها إلا من عاشها.

التاريخ لا يرحم المبررين

إن توقفتم اليوم حفاظاً على ما تبقى من شعبكم، فلن ينتقص ذلك من تضحياتكم، وإن واصلتم الدفاع عن حقوقكم وفق ما تمليه مصلحة شعبكم، فلن يملك أحد أن يصادر حقكم في اتخاذ القرار. أما الذين انشغلوا بتبرير الاحتلال، أو التهوين من جرائمه، أو اختزلوا المأساة كلها في لوم الضحية، فإنهم يبتعدون عن أبسط قواعد العدالة والإنصاف. فالقانون الدولي لا يبدأ بمحاسبة الشعب الواقع تحت الاحتلال، بل يبدأ بتحديد المسؤولية عن أصل الفعل غير المشروع، وهو استمرار الاحتلال وما ينشأ عنه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني.

لقد أكدت التطورات القانونية الدولية خلال السنوات الأخيرة أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية يثير مسؤوليات قانونية دولية، وأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره حق ثابت لا يسقط بالتقادم. ومن ثم، فإن أي نقاش حول المقاومة أو الهدنة أو التسويات السياسية يجب ألا يحجب الحقيقة الجوهرية، وهي أن أصل النزاع يكمن في استمرار الاحتلال، وأن معالجة آثاره لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة سببه.

ولذلك فإن إنهاء الاحتلال، واحترام قواعد القانون الدولي، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، تظل الأساس الذي لا غنى عنه لأي سلام عادل ودائم.

وفي الختام، فإن التاريخ لا يُكتب بالشعارات، وإنما بالحقائق. وستبقى الحقيقة الثابتة أن الاحتلال هو أصل المأساة، وأن إنهاءه وفق قواعد القانون الدولي هو المدخل الطبيعي لإنهاء دوامة العنف. وستظل حماية المدنيين، وصون الكرامة الإنسانية، ومساءلة مرتكبي الجرائم الدولية، مبادئ راسخة لا تسقط بالتقادم، ولا تتغير بتغير موازين القوى.

أما فلسطين، فستبقى قضية شعب ينشد الحرية، وحقاً قانونياً ثابتاً في تقرير المصير، وضميراً إنسانياً يختبر صدقية المجتمع الدولي في احترام المبادئ التي أعلنها، قبل أن تكون قضية خلاف سياسي أو نزاع عابر. ولعل الأيام تثبت مرة أخرى أن القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تنشئ حقاً، وأن الاحتلال، مهما طال أمده، لا يكتسب الشرعية بمجرد مرور الزمن، وأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها، وتستند إلى عدالة قضيتها وإلى قواعد القانون الدولي التي كفلت الحق في المقاومة، تبقى صاحبة الحق في المطالبة بالحرية والكرامة، حتى يتحقق لها ما تقره الشرعية الدولية من حق في تقرير المصير والعيش بأمن وسلام.