يبدأ العام الدراسي في غزة هذا العام، لكن المشهد لا يشبه بدايات الأعوام الدراسية التي عرفها الأطفال يومًا. لا أجراس مدارس، ولا مقاعد مرتبة، ولا حقائب جديدة، ولا ساحات يركض فيها الطلبة في الصباح. يبدأ العام من قلب النزوح، حيث الخيمة قد تكون بيتًا ومدرسةً ومأوى في آنٍ واحد، وحيث أصبح الحصول على الماء والطعام والدواء سابقًا على فتح الكتاب المدرسي.
إن عودة العام الدراسي في ظل حرب الإبادة ليست عودةً إلى الحياة الطبيعية، بل محاولة لاستعادة شيء من الحياة وسط واقعٍ ما زال مثقلًا بالدمار والخوف والفقد. مدارس كثيرة تحولت إلى مراكز إيواء، وتكدس فيها النازحون، بينما بقيت أعداد محدودة من البدائل التعليمية عاجزة عن استيعاب احتياجات آلاف الطلبة.
الطالب الغزي لا يدخل عامه الدراسي من بوابة المدرسة وحدها؛ يدخل إليه من طابور المياه، ومن انتظار التكية، ومن رحلة البحث عن مكان آمن، ومن خيمة بالية لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء. قد يبدأ يومه بتعبئة الماء، ثم الانتظار للحصول على وجبة، وبعد ذلك فقط يأتي دور الدفتر والقلم.
أي معنى للواجب المدرسي أمام طفل فقد أحد والديه؟ وأي قدرة على التركيز أمام طالب يحمل في ذاكرته مشاهد القصف والنزوح وفقدان الأصدقاء والأقارب؟ وكيف نطلب من طفل أن يفكر في الامتحان، بينما لا يعرف أين سيكون منزله في اليوم التالي؟
هنا لا تكمن المأساة في غياب المدرسة فقط، وإنما في أن الحرب سرقت من التعليم بيئته الطبيعية. المدرسة ليست جدرانًا ومقاعد وسبورة فحسب؛ إنها أمان واستقرار وروتين يومي وعلاقات اجتماعية ومساحة للطفولة. وحين يفقد الطفل هذه العناصر، يصبح حقه في التعليم مهددًا حتى لو وجد كتابًا أو معلمًا أو نقطة تعليمية.
أما المعلمون، فيعودون هم أيضًا إلى عام دراسي مثقلين بالفقد والنزوح والقلق. كثير منهم فقدوا منازلهم أو أقاربهم، وبعضهم يدرّس في ظروف لا تشبه التعليم الذي عرفناه. ومع ذلك يحاولون أن يمنحوا أطفال غزة درسًا جديدًا، وربما لحظةً واحدة يشعرون فيها أنهم ما زالوا أطفالًا لهم مستقبل.
ثم تأتي الأزمة الاقتصادية لتضيف عبئًا آخر. أسرة نازحة تكافح لتوفير الطعام والماء والدواء، كيف تستطيع أن توفر الزي المدرسي والحقائب والدفاتر والقرطاسية؟ يصبح القلم في بعض البيوت رفاهية، والكتاب أمنية، والحقيبة المدرسية حلمًا مؤجلًا.
إن الأخطر من ضياع عام دراسي هو أن يتحول الانقطاع إلى فجوة طويلة في حياة جيل كامل. التعليم ليس خدمة يمكن تأجيلها بلا ثمن؛ إنه حق أساسي، وكل يوم يمر من دون تعليم آمن ومنتظم يترك أثرًا في مستقبل الطفل النفسي والمعرفي والاجتماعي.
ومع ذلك، فإن إصرار أبناء غزة على التعلم يحمل معنى سياسيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود المدرسة. فالطفل الذي يفتح كتابه في الخيمة يقول، بطريقة صامتة، إن الحرب لم تستطع أن تنتزع منه حقه في المستقبل. والمعلم الذي يقف أمام مجموعة من الأطفال في مساحة مؤقتة يعلن أن المعرفة لا ينبغي أن تُهزم أمام الركام.
لكن لا ينبغي أن يتحول هذا الصمود إلى ذريعة لإعفاء العالم من مسؤولياته. ليس المطلوب من أطفال غزة أن يثبتوا أنهم قادرون على الدراسة في أقسى الظروف، ثم يُتركوا وحدهم. المطلوب توفير بيئة تعليمية آمنة، ومستلزمات أساسية، ومساحات تعليم مناسبة، ودعم نفسي للطلبة والمعلمين، وحماية المدارس والأطفال من آثار الحرب.
إن بداية العام الدراسي في غزة يجب ألا تُقرأ باعتبارها خبرًا عابرًا عن عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة، لأن السؤال الحقيقي هو: أي مقاعد؟ وأي مدارس؟ وأي أمان؟ وأي طفولة؟
فالطفل الغزي لا يحتاج فقط إلى دفتر وقلم؛ يحتاج إلى مكان يشعر فيه أنه طفل، لا نازح. يحتاج إلى معلم يستطيع أن يعلّمه دون أن يحمل معه خوفه. يحتاج إلى مدرسة لا تكون مركز إيواء. ويحتاج إلى صباح يبدأ بجرس المدرسة، لا بصوت القصف أو طابور المياه.
في غزة، يبدأ العام الدراسي بلا مدارس كافية، وبلا مقاعد كافية، وبلا مستلزمات كافية، وفي ظل نزوح وفقد وأزمة مياه ووقود وطعام وأمان. ومع ذلك يبقى التعليم أحد آخر المساحات التي يمكن أن تمنح هذا الجيل معنى الاستمرار.
إن إنقاذ التعليم في غزة ليس مجرد مساعدة إنسانية مؤقتة؛ إنه استثمار في جيل كامل، وحماية لذاكرة شعب ومستقبله. وإذا كان العالم قد عجز عن حماية أطفال غزة من الحرب، فعليه على الأقل ألا يسمح بأن يُحرموا من حقهم في التعلم وبناء مستقبلهم.
يبدأ العام الدراسي في غزة، لكن المدرسة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ لأنها تبدأ حين يعود الطفل إلى مكان آمن، يحمل حقيبته، يجلس على مقعده، يفتح كتابه، وينظر إلى معلمه وهو يفكر في مستقبله لا في كيفية النجاة من يومه.
ذلك هو التعليم الذي يستحقه أطفال غزة.
لا تعليمًا في ظل الخوف، بل تعليمًا يفتح بابًا للحياة.