لم يأتِ طوفان الأقصى بوصفه حدثًا عسكريًا معزولًا يمكن احتواؤه داخل حدود التحليل الأمني التقليدي، بل جاء ليصيب في العمق بنية المعنى التي حكمت وعي المنطقة لعقود. لم تكن المسألة مجرد صدام ميداني، بل لحظة اصطدام بين سرديتين، واحدة رسّخت العجز بوصفه عقلانية، وأخرى أعادت طرح الفعل بوصفه إمكانية. هنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة، لا فيما جرى فقط، بل فيما كشفه وما أعاد فتحه من أسئلة مؤجلة.
لقد تأسست سردية الهيمنة على فرضية مركزية مفادها أن الفعل السياسي والعسكري في المنطقة مرهون بإرادة القوة الدولية، وأن أي خروج عن هذا الإطار ليس سوى مغامرة غير محسوبة. وبالتوازي، جرى تكريس التفوق الإسرائيلي باعتباره قدرًا تاريخيًا لا يُكسر، بل يُدار أو يُلتف عليه ضمن حدود الممكن المفروض. هذه السردية لم تُفرض بالقوة الصلبة فقط، بل عبر تراكم طويل من الإنتاج المعرفي والإعلامي والسياسي، حتى تحولت إلى ما يشبه “العقل المستقر” الذي يصعب مساءلته.
غير أن ما جرى لم يهدم هذه السردية دفعة واحدة، كما قد يذهب الخطاب التعبوي، بل فعل ما هو أخطر، لقد كسر احتكارها للمعنى. اهتزت الفرضيات التي قامت عليها، لا لأن ميزان القوة انقلب جذريًا، بل لأن ما كان يُقدَّم كحد نهائي للفعل تبيّن أنه قابل للاختراق. هذه اللحظة لا تعني الانتصار النهائي، لكنها تعني سقوط اليقين السابق، وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي في صراع طويل.
في هذا السياق، تتقدم سردية المقاومة، لا باعتبارها شعارًا تعبويًا، بل كإطار تفسيري يعيد تعريف الممكن السياسي. فهي لا تنطلق من إنكار اختلال موازين القوة، بل من إعادة قراءة هذا الاختلال بوصفه حالة قابلة للإدارة والمراكمة، لا قدرًا مغلقًا. الفارق هنا جوهري، بين من يرى الواقع سقفًا نهائيًا، ومن يراه نقطة انطلاق قابلة لإعادة التشكيل.
لكن هذا التقدم لا يخلو من اختبار. فسردية المقاومة، لكي تتحول من لحظة صادمة إلى مسار تاريخي، مطالبة بأن تنتج ما هو أكثر من الفعل المباغت، أن تتحول إلى رؤية قادرة على الاستدامة، وعلى بناء وعي سياسي لا يقع في فخ التبسيط أو الاكتفاء برد الفعل. التحدي الحقيقي ليس في كسر السردية القديمة فقط، بل في منع إعادة إنتاجها بصيغ جديدة تحت ضغط الواقع.
هنا تبرز مسألة النخب بوصفها عقدة مركزية في هذا التحول. فهذه النخب، التي استبطنت سرديات الهيمنة إلى حد التماهي معها، تجد نفسها اليوم أمام لحظة انكشاف. لم يعد ممكنًا الاكتفاء بإعادة تدوير الخطاب القديم، ولا الاستمرار في تبرير العجز بلغة الواقعية السياسية. الخيار بات حادًا، إما إعادة تموضع حقيقي ينطلق من قراءة أكثر استقلالًا وانحيازًا لإرادة الفعل، أو التحول إلى جزء من بنية إنتاج العجز، حتى وإن ادّعت نقدها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو اختزالها إلى نشوة مؤقتة أو إلى خطاب دعائي يغلق باب التفكير. فالصراع هنا لم يكن يومًا على الأرض فقط، بل على المعنى الذي يُعطى لهذه الأرض، وعلى الوعي الذي يحدد كيف تُفهم القوة وكيف تُمارس. لذلك، فإن كسر احتكار المعنى لا يكتمل بالفعل وحده، بل يتطلب معركة موازية في حقل الوعي، تُفكك السرديات القديمة وتبني أخرى أكثر قدرة على تفسير الواقع وتغييره.
في المحصلة، ما نعيشه ليس نهاية سردية وبداية أخرى بشكل حاسم، بل دخول مرحلة جديدة من الصراع على المعنى. غير أن الفارق الجوهري أن المقاومة لم تعد تُطرح كاستثناء طارئ داخل هذا الصراع، بل كفاعل مركزي فيه. وهذا التحول، إذا ما أُحسن استثماره، قد لا يغير موازين القوة فورًا، لكنه بلا شك يعيد تعريفها، ويعيد معها تعريف حدود الممكن في وعي أمة طال انتظارها لهذه اللحظة.