إن الحرب التي خاضها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة ضد الاحتلال الإسرائيلي وإن كانت قد ألحقت به أثمانا باهظة فقد أفرزت مخرجات موضوعية يمكن بل يجب توظيفها على كل المستويات العسكري والسياسي والدبلوماسي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي وأول شروط النجاح في هذا التوظيف هو إسناد قيادة المقاومة لا مجرد الاعتراف بها بل جعلها المرجعية الوحيدة التي تدير كل ملفات المرحلة القادمة فالمقاومة ليست فصيلا بل هي التعبير الحي عن إرادة الشعب الذي قرر ألا يموت صامتا.
أولا على المستوى العسكري والأمني المقاومة أثبتت أن الجيش الذي لا يقهر يمكن أن يكسر في الميدان وأن الأنفاق والصواريخ البدائية والإبداع الميداني يفوقان في بعض الأحيان التكنولوجيا المتطورة إذا كان وراءها إرادة شعبية.
المقترح تحويل هذا الإنجاز إلى مدرسة عسكرية فلسطينية موحدة تحت قيادة واحدة للمقاومة تضم كل الفصائل وتستفيد من الخبرات الميدانية المتراكمة يجب أن تبنى على أساس الردع الشعبي المستمر وليس الانتظار لمعركة قادمة وإسناد القيادة هنا يعني أن تكون كل عملية تسليح أو تدريب أو تطوير تكنولوجي خاضعة لإشراف قيادة المقاومة الميدانية لا لأجهزة أمنية تابعة لسلطة منقسمة.
و على المستوى السياسي الداخلي الحرب كشفت هشاشة الانقسام الفلسطيني وأظهرت أن الشعب يقف وراء من يقاتل لا وراء من يفاوض على حسابه.
على المستوى الدبلوماسي والدولي الحرب أنتجت تحولا تاريخيا في الرأي العام العالمي من التعاطف إلى الإدانة ومن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إلى جرائم حرب وإبادة جماعية في محاكم العدل الدولية.
اقترح استخدام هذا الرصيد لإطلاق دبلوماسية مقاومة موازية لا تكتفي بالشكوى في الأمم المتحدة بل تفرض على العالم أن يتعامل مع قيادة المقاومة كطرف شرعي يجب أن تفتح مكاتب تمثيلية في دول الجنوب العالمي أفريقيا أميركا اللاتينية آسيا وأن تبنى تحالفات مع حركات التحرر في العالم وإسناد القيادة هنا يعني أن أي ملفات مستقبلية يجب أن تكون تحت علم المقاومة لا تحت علم سواها.
وعلى المستوى الإعلامي والثقافي المقاومة فازت في حرب السرديات العالم رأى الطفل الفلسطيني يواجه الدبابة ورأى الجندي الإسرائيلي يبكي أمام المقاتل المقنع.
وهنا اقترح إنشاء مركز إعلامي وثقافي فلسطيني موحد تحت إشراف قيادة المقاومة يعمل على توثيق الحرب وإنتاج رواية وطنية واحدة ومواجهة الحملات الإعلامية المضادة يجب أن يتحول الإعلام الفلسطيني من الدفاع إلى الهجوم سرد بطولات المقاومة وفضح الخيانات وتعليم الأجيال الجديدة أن النصر ممكن
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي الحرب دمرت البنية التحتية لكنها أيضا كشفت قدرة الشعب على الصمود حتى في أقصى درجات الحصار وهنا ينبغي تعزيز صمود المواطن من خلال اطلاق مشاريع صغيرة و متوسطة لخدمة الفئات الهشة من المجتمع ليكون الفرد منتج لا مستهلك ومتلقي للمساعدات.
وبناء مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة تعتمد على الذات زراعة صناعات خفيفة تكنولوجيا بسيطة ، بالتزامن مع برنامج تعليمي وطني يربي الأجيال على قيم المقاومة والعلم والابتكار وإسناد قيادة المقاومة في هذا المجال يعني أن تكون كل دولار ينفق وكل مشروع يبنى خاضعا لاستراتيجية وطنية واحدة لا لمصالح فئوية أو إقليمية.
الخلاصة إن مخرجات هذه الحرب ليست مجرد انتصار معنوي أو صمود أسطوري بل هي رصيد استراتيجي حقيقي يجب أن يدار بذكاء تاريخي والطريق الوحيد لتوظيف هذا الرصيد هو إسناد القيادة الكاملة للمقاومة لا كشعار بل كممارسة يومية في كل مفصل من مفاصل القضية.
من يقود المعركة يجب أن يقود السلام ومن يدفع الثمن يجب أن يجني الثمرة.
هذا ما تعلمناه من التاريخ وهذا ما يجب أن نطبقه اليوم قبل أن تتحول المخرجات إلى فرصة ضائعة أخرى كما حدث مرارا في الماضي.