ترويض البندقية لا إنهاء الحرب
10 Jun 2026

في اللحظات المفصلية من تاريخ الصراعات لا تُطرح الأسئلة الكبرى بصيغتها الحقيقية، وإنّما تُعاد صياغتها داخل عناوين تبدو تقنية وإجرائية، بينما تخفي خلفها رهانات سياسية واستراتيجية عميقة، واليوم بينما تتواصل مباحثات القاهرة وسط جهود حثيثة لإعادة صياغة البنود المتعلقة بملف السلاح، يبدو أن النقاش يدور حول مستقبل معادلة القوة الفلسطينية بأكملها في مرحلة ما بعد الحرب.

فبعد أشهر طويلة من الإبادة والتجويع والتدمير الممنهج، وبعد أن عجز الاحتلال عن انتزاع أهدافه بالقوة العسكرية رغم الكلفة الإنسانية الكارثية التي دفعها الفلسطينيون، يعود ملف السلاح إلى الواجهة بوصفه العقدة الأكثر حساسية في مسار التفاوض، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام ترتيبات تهدف إلى تثبيت وقف الحرب وفتح أفق سياسي جديد، أم أمام محاولة مؤجلة لتحقيق عبر التفاوض ما فشل الاحتلال في فرضه بالنار؟

اللافت أن النقاشات المتداولة لم تعد تدور حول مبدأ المساس بالسلاح من عدمه، وإنّما حول آليات التنفيذ والتوقيت والضمانات، وهو تحول يكشف انتقال الملف من مربع الشعارات إلى مربع هندسة الواقع السياسي والأمني للمرحلة المقبلة، فالسلاح في الحالة الفلسطينية أصبح جزءً من بنية الردع، ورمزاً للسيادة المفقودة، وأحد أبرز تجليات حق شعب ما زال يعيش تحت الاحتلال.

من هنا تتجاوز مباحثات القاهرة حدود التفاهمات الإجرائية لتتحول إلى معركة على تعريف المستقبل نفسه: من يمتلك أوراق القوة؟ ومن يحدد شروط المرحلة القادمة؟ وهل يجري البحث عن تسوية تنهي أسباب الصراع، أم عن ترتيبات تعيد إنتاجه بأدوات مختلفة؟ تلك هي الأسئلة الحقيقية المختبئة خلف الضجيج الدبلوماسي، وهي التي تجعل ملف السلاح عنواناً لصراع الإرادات في لحظة فلسطينية فارقة

لماذا عاد ملف السلاح إلى صدارة المشهد الآن؟

أصبح طرح ملف السلاح في هذا التوقيت يبدو جزءً من عملية إعادة تموضع سياسي تُدار فوق أنقاض الحرب، فبعد أن استنفد الاحتلال معظم أدواته العسكرية دون أن ينجح في انتزاع صورة النصر التي سعى إليها، انتقلت المعركة من ميدان النار إلى ميدان الشروط، وهنا عاد السلاح إلى الواجهة بوصفه رصيد القوة الأخير الذي لم تستطع الحرب تبديده، وفي موازاة ذلك تتصاعد ضغوط إقليمية ودولية لإنتاج واقع غزي جديد أكثر قابلية للضبط وأقل قدرة على المفاجأة، إنها لحظة ما يمكن تسميته بهندسة ما بعد الدمار، حيث يُعاد ترتيب موازين القوة تحت لافتة الاستقرار، بينما يجري اختبار الحدود القصوى للتنازل الفلسطيني.

من نزع السلاح إلى إدارة السلاح.. تحوّل لغة التفاوض

التحول اللافت في حوارات القاهرة يكمن في اللغة التي باتت تحكم النقاش، فبعد سنوات من الجدل بين الرفض المطلق والقبول المطلق، انتقلت المباحثات إلى منطقة أكثر تعقيداً تتعلق بالآليات والتوقيت والضمانات، وهذا الانتقال يكشف أن الأطراف تدرك صعوبة فرض معادلات أحادية، فاستبدلت خطاب الحسم بخطاب الاحتواء، غير أن الفارق بين إدارة السلاح ونزع السلاح ليس فارقاً تقنياً فقط؛ إذ يمكن للترتيبات الأمنية أن تتحول تدريجياً إلى عملية استنزاف سيادي بطيء، تُفرَّغ خلالها عناصر القوة من مضمونها السياسي دون إعلان صريح، وهنا يصبح الخطر في شكل الترتيب لا في اسمه، وفي المآلات لا في العناوين المعلنة.

السلاح الفلسطيني بين مفهوم الأمن ومفهوم التحرير

تنبع خصوصية السلاح الفلسطيني من كونه وُلد في بيئة احتلال لا في إطار نزاع داخلي بين سلطتين متنازعتين، لذلك فإن مقاربته بمعايير تجارب نزع السلاح التقليدية تبدو قراءة مبتورة للسياق، ففي كثير من النزاعات الأهلية يكون السلاح مصدر تهديد للاستقرار الداخلي، أما في الحالة الفلسطينية فقد ارتبط تاريخياً بفكرة الحماية الوطنية وحق مقاومة السيطرة الخارجية المتمثلة بالاحتلال، ومن هنا يتجاوز السلاح وظيفته العسكرية ليصبح جزءً من معادلة الوجود السياسي نفسها، وفي ظل غياب الدولة واستمرار الاحتلال، يغدو السلاح بالنسبة لكثيرين أداة ردع ورمزاً للسيادة المؤجلة، لا مجرد وسيلة قتال قابلة للإدراج ضمن ترتيبات أمنية مؤقتة

معادلة الفصائل.. لا سلاح بلا انسحاب ولا أمن مع العصابات العميلة

في قلب النقاشات الجارية تطرح الفصائل معادلة تبدو واضحة في ظاهرها، لكنها تحمل أبعاداً سياسية وأمنية عميقة: لا يمكن الحديث عن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح بمعزل عن مسار إنهاء الاحتلال نفسه، فبالنسبة إليها لا يُعقل أن يُطلب تفكيك أدوات القوة الفلسطينية بينما تبقى أدوات الهيمنة الصهيونية قائمة ومتمتعة بكامل صلاحياتها العسكرية، وإلى جانب ذلك، يبرز ملف المجموعات العميلة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، إذ ترى الفصائل أن أي فراغ أمني أو إعادة هيكلة غير منضبطة قد تفتح المجال أمام ظاهرة الوكالة الأمنية المحلية التي تعيد إنتاج الفوضى تحت مظلات جديدة، لذلك تبدو الخطوط الحمراء المعلنة محاولة لحماية التوازن الوطني ومنع تحويل التفاهمات إلى بوابة اختراق سياسي وأمني طويل الأمد.

ما الذي يريده الوسطاء وما الذي يريده الاحتلال؟

تتحرك الأطراف المنخرطة في ملف القاهرة وفق خرائط مصالح لا تتطابق بالضرورة رغم تقاطعها في بعض المحطات، فالوسطاء يسعون إلى إنتاج بيئة مستقرة تمنع انفجاراً جديداً يهدد الإقليم بأسره، بينما ينظر الاحتلال إلى الملف من زاوية مختلفة تتجاوز وقف المواجهة إلى إعادة تشكيل معادلات القوة التي أفرزتها الحرب، وبين الهدفين تتسع منطقة رمادية من الضغوط والمقايضات والحسابات المتشابكة، وهنا يبرز السؤال الأكثر تعقيداً: هل المطلوب تثبيت استقرار أمني مستدام أم تنفيذ عملية إعادة هندسة وطنية تُعاد فيها صياغة موازين الفعل الفلسطيني؟ أما الضمانات الدولية التي تُطرح بوصفها عنصر طمأنة، فقد أثبتت تجارب سابقة أنها تظل رهينة موازين القوة السياسية أكثر من ارتباطها بالنصوص والتعهدات المعلنة.

ترويض البندقية أم معالجة جذور المواجهة؟

تكمن الإشكالية الأساسية في أن كثيراً من المقاربات المطروحة تتعامل مع نتائج المواجهة والاشتباك أكثر مما تتعامل مع أسبابه، فالسلاح نشأ بوصفه انعكاساً مباشراً لواقع الاحتلال واستمرار انسداد الأفق السياسي، ومن هنا تبدو محاولات تفكيك أدوات المقاومة دون معالجة البيئة التي أنتجتها أشبه بإدارة الأعراض وترك المرض يتفاقم في العمق، فالتاريخ السياسي للصراعات يؤكد أن القوة لا تختفي بقرارات التفاوض ما دامت دوافعها قائمة، ولذلك فإن الرهان على ترويض البندقية دون إنهاء شروط نشأتها قد ينجح في إنتاج هدوء مؤقت، لكنه لن يصنع سلامًا حقيقيًا. فالقضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مفترق حساس بين تسوية تعالج جذور المأساة، وتسويات جزئية تؤجل الانفجار إلى موعد آخر.

ليست المعركة الدائرة في القاهرة حول السلاح بحد ذاته، المعركة الحقيقة تدور حول من يملك حق تعريف الأمن، ومن يملك حق امتلاك القوة، ومن يحدد شكل اليوم التالي للحرب، فحين يُطلب من الضحية إعادة ترتيب أدوات بقائها قبل إزالة أسباب تهديدها، يصبح السؤال أكبر من بند تفاوضي وأعمق من تفاهم سياسي، عندها لا يعود النقاش حول تكديس البنادق أو تفريغها، النقاش صار يتمحور حول ما إذا كان المطلوب إنهاء الحرب فعلاً، أم الاكتفاء بترويض البندقية وترك جذور الصراع حية تنتظر جولة أخرى.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
"طوفان الأقصى" متواصلة والمفاجآت قادمة!
09 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة من العمق الاستراتيجي إلى الإنقاذ الوطني
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة.. حين تصبح الطفولة ضحية إبادة اسرائيلية ممنهجة
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة ما بين مجاعة وعطش!!
07 Jun 2026
director
المقال السياسي
قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026
director
المقال السياسي
في غزة تتحول أعياد السعادة الى أعراس الشهادة
28 May 2026
director
المقال السياسي
مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026