منذ تأسيس منظومة القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ساد الاعتقاد بأن البشرية دخلت مرحلة جديدة يكون فيها القانون هو المرجعية العليا، وأن المؤسسات الدولية ستضمن العدالة، وتحمي الشعوب، وتردع المعتدين دون تمييز. لكن العقود الماضية، ولا سيما السنوات الأخيرة، أعادت طرح سؤال جوهري: هل ما زالت قوانين المجتمع الدولي هي التي تحكم العالم، أم أن شبكات المصالح والقوى النافذة أصبحت هي صاحبة القرار؟
لا خلاف على أن القانون الدولي يمثل إطارا قانونيا مهما لتنظيم العلاقات بين الدول، لكن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في آليات التطبيق. فكثيرا ما تُطبق القوانين بصرامة على بعض الدول، بينما يتم التغاضي عن انتهاكات دول أخرى تمتلك نفوذا سياسياً أو أو عسكرياً أو اقتصادياً، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى استقلالية المؤسسات الدولية.
وعندما تعجز المنظمات الدولية عن وقف الحروب، أو حماية المدنيين، أو تنفيذ قراراتها الصادرة، فإن الثقة بالنظام الدولي تتراجع، ويترسخ لدى الشعوب شعور بأن العدالة أصبحت رهينة لموازين القوة، لا لسيادة القانون.
إن وصف هذا الواقع لا يعني إنكار أهمية القانون الدولي، بل يؤكد الحاجة إلى إصلاح المنظومة الدولية، بحيث تصبح أكثر عدالة واستقلالا، وأقل خضوعا لضغوط القوى الكبرى والمصالح السياسية والاقتصادية.
لقد أثبتت العديد من الأزمات الدولية أن امتلاك القوة يمنح بعض الدول قدرة على تجاوز القواعد التي يُطلب من غيرها الالتزام بها. وهذا الواقع يضعف مصداقية النظام الدولي، ويغذي الشعور بأن القانون لا يُطبق بمعيار واحد.
إن العالم اليوم بحاجة إلى نظام دولي تكون فيه قوة القانون فوق قانون القوة، وتكون فيه العدالة حقًا للجميع لا امتيازا للأقوياء. فاستمرار الانتقائية في تطبيق القانون لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات الدولية، وتعميق حالة عدم الاستقرار في النظام العالمي.
ويبقى السؤال مفتوحا أمام الضمير الإنساني: هل ينتصر القانون على المصالح، أم تستمر المصالح في إعادة تشكيل القانون بما يخدم أصحاب النفوذ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العدالة الدولية لعقود قادمة.