مع بقاء قرابة مائة يوم على الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الفلسطينية العامة في 28/11/2026، تتصاعد المؤشرات الدالة على احتمالات التأجيل أو الإلغاء، على غرار التجارب السابقة.
ويأتي ذلك في سياق وطني بالغ الدقة، يتسم بحالة من الإبادة الممنهجة والتهديد الوجودي في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس.
إن الحالة الفلسطينية الراهنة تقتضي إحداث اختراق بنيوي يعيد الاعتبار للشرعيات، وينهي حالة الانقسام المؤسساتي، ويستعيد عافية النظام السياسي.
لقد بلغت حدة الأزمة والإبادة الجماعية مدى استقطب تعاطفا دوليا واسعا، في مقابل استمرار سياسات الإنكار المنهجي لحقوق الشعب الفلسطيني.
*كل محاولة لإجراء انتخابات يتم تغيير النظام الانتخابي*
النظام الانتخابي الفلسطيني شهد سلسلة متلاحقة من التعديلات الجوهرية، بما يوحي بالتعامل معه كمدخل وحيد لمعالجة الأزمة السياسية، وهو مقاربة غير دقيقة.
1. وثيقة الاستقلال 1988: نصت على اعتماد النظام البرلماني كإطار حاكم، لكنه لم يدم طويلا.
2. اتفاق أوسلو 1993: الانتقال إلى النظام الرئاسي مع اعتماد نظام الأغلبية في الدوائر الانتخابية للمجلس التشريعي.
وتم بموجبه إجراء الانتخابات التشريعية عام 1996.
3. التعديل 2004:
الانتقال إلى النظام المختلط بنسبة 50% دوائر و 50% قوائم نسبية.
وأجريت انتخابات 2006 على هذا الأساس.
4. التعديل 2007:
اعتماد نظام القوائم النسبية المغلقة بنسبة 100% وعلى أساس دائرة انتخابية واحدة.
5. التعديل 2026:
إدخال تعديلات على نظام الحصص -الكوتا- وتخفيض نسبة الحسم من 2% إلى 1%.
*تجارب مقارنة في مجتمعاتنا العربية*
هذه الظاهرة ليست فلسطينية خالصة.
ففي لبنان جرى تعديل القانون الانتخابي ثلاث مرات بين
2005 - 2018، وأفضى ذلك إلى شلل مؤسساتي وأزمات حكم متعاقبة.
وفي العراق عام 2005 اعتمد نظام القوائم النسبية المفتوحة مع عتبة 1%، ما أدى إلى توزيع البرلمان إلى أكثر من 30 كتلة، وتفاقم ظواهر المحاصصة والابتزاز السياسي وضعف الرقابة الحكومية.
*محدودية دور النظام الانتخابي في معالجة الأزمة السياسية*
يقتضي التحليل العلمي التمييز بين الأداة أو الوسيلة من جهة والمضمون أو الهدف من جهة أخرى.
فالنظام الانتخابي هو آلية فنية محايدة لقياس الأوزان النسبية للقوى السياسية وترجمتها إلى تمثيل مؤسساتي.
أي نظام الانتخابي في العالم قديم أو حديث سيسمح بالتداول، يمنح الشرعية اليوم ويسحبها غدا عبر التداول السلمي للسلطة، شريطة عدم العبث به.
وعليه، فإن أزمة النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن اختزالها في البعد الانتخابي. وتتمثل جذورها البنيوية في ثلاث معضلات متداخلة:
1. معضلة الانقسام الجغرافي والمؤسساتي:
ازدواجية المرجعيات والسلطات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
2. معضلة الشرعية:
انتهاء الولايات الدستورية لمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير دون تجديد عبر صناديق الاقتراع.
3. معضلة حجب السيادة:
استمرار الاحتلال وهيمنته على الأرض والموارد والحركة، بما يقوض فاعلية أي سلطة منتخبة.
*خطورة العبث بالنظام الانتخابي في المجتمعات المنقسمة*
إذا كان الدستور يحدد القواعد العامة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، فإن النظام الانتخابي هو الذي يحدد من يمسك بزمام السلطات.
وبذلك فهو بمثابة رقعة الشطرنج التي تحدد اللاعبين والحكم ونتيجة المباراة.
ويمثل التلاعب بقواعد النظام الانتخابي، ولاسيما نسبة الحسم أو العتبة الانتخابية، مخاطرة وجودية في المجتمعات الهشة.
فرفع العتبة أو خفضها بشكل تعسفي يعني الإقصاء الممنهج لفئات سياسية واجتماعية، وهو مدخل مباشر لفقدان الثقة وتفجير الصراع الداخلي.
في تركيا عام 1999 رفع حزب الشعب نسبة الحسم إلى 10% لتحقيق أغلبية مريحة لصالحه، فكانت النتيجة خسارة فادحة للحزب وخروج كتل واسعة من البرلمان.
تدرك الأمم المتحدة خطورة تغييرات النظام الانتخابي حيث خصصت لجنة للتنبيه وتوجيه النصائح والملاحظات، خاصة للمجتمعات الهشة، لأن التغييرات تقحم المجتمع في خلافات عميقة جدا، ومنها الحرب الأهلية.
ومعظم المجتمعات المتطورة تحافظ على النظام الانتخابي ولا تجري عليه تعديلات جوهرية خشية الانقسام أو الحرب الأهلية، فالنظام الانتخابي الأمريكي قائم منذ عام 1787 وأي تغييرات محدودة جدا وتكون داخل هذا النظام.
*الاتفاق المسبق أساس لنجاح العملية الانتخابية*
النظام الانتخابي لا يعالج جذر الأزمة. فلا يمكن للانتخابات، بمعزل عن اتفاق سياسي مسبق، أن تشكل حلا شاملا. فهي تعالج جانبي الشرعية وإنهاء الاحتكار.
وبناء عليه، فإن نجاح الاستحقاق الانتخابي مرهون بثلاثة شروط:
1. اتفاق سياسي مسبق: وثيقة ملزمة تحدد قواعد تشكيل الحكومة وبرنامجها وآليات إدارة الخلاف لمرحلة ما بعد الانتخابات، تفاديا لإعادة إنتاج الانقسام بشرعية جديدة.
2. تثبيت القانون الانتخابي: تجميد أي تعديلات على القانون موعد الاقتراع، ضمانا للنزاهة والشفافية.
3. برنامج نهضوي تراكمي: حكومة إنقاذ وطني تكنوقراط ذات أفق زمني محدد لمعالجة ملفات الإعمار والتوحيد المؤسساتي والتحضير لانتخابات الرئاسة والمجلس الوطني.
*أخيرا*
إن النظام الانتخابي الفلسطيني الحالي، القائم على النسبية الكاملة والعتبة 1%، يعد إطاراً تقنيا ملائما لطبيعة التعددية الفلسطينية. إلا أن قيمته تتوقف على السياق السياسي الذي يجري فيه.
إن الرهان ليس على آلية الاقتراع بحد ذاتها، بل على الإرادة السياسية لاحترام مخرجاتها والبناء عليها. فبدون توافق وطني على ما بعد الصندوق، تتحول الانتخابات من أداة للإنقاذ إلى عامل لتكريس الأزمة وإعادة إنتاجها.
*تعلمنا*
علمتنا تجاربنا الفلسطينية السابقة أن الشرعية لا تُمنح بالصندوق وحده، بل تُصان بالاتفاق وهنا مربط الفرس.