على هذه الأرض ما يستحق الحياة
20 Aug 2026

ثمة مفارقة كبرى في مفهوم التضحية تستحق أن نتوقف أمامها: كيف يمكن لإنسان أن يحب الحياة، ثم يكون مستعدًا لدفع أثمان باهظة من أجلها؟

ربما لأننا أخطأنا في تعريف الحياة.

في صورتها الاستهلاكية المعاصرة، أصبح «حب الحياة» يعني أن تحافظ على سلامتك، وعملك، ودخلك، وراحتك، وأن تستمر في دائرة الاستهلاك والترفيه، وألا تسمح لقضية أكبر منك أن تقتحم انتظام يومك. وكل ما يهدد هذه الدائرة يصبح تهديدًا للحياة، وكل من يرفضها يصبح، بدرجات مختلفة، غير عقلاني أو متهورًا أو «كارهًا للحياة».

لكن السؤال الحقيقي هو: أي حياة نريد؟

فالحياة ليست مجرد استمرار النبض. هناك حياة حرة وحياة مذلة، حياة يملك الإنسان فيها قراره، وحياة يعيش فيها وفق الشروط التي يفرضها الآخرون. ولذلك فإن حب الحياة لا يعني بالضرورة تجنب كل خطر، كما أن التضحية لا تعني بالضرورة كراهية الحياة.

قد تكون التضحية أحيانًا دفاعًا عن الحياة في معناها الأعمق.

من يحب الحياة؟

حين تصبح المصلحة الفردية وتجنب المخاطر معيارًا أعلى للحكم، يتحول الاستقرار إلى فضيلة مطلقة، والتضحية إلى تهور، والمقاومة إلى تطرف، والغضب إلى جنون.

وهكذا يتعلم الإنسان أن يسأل دائمًا: ماذا سأخسر؟

ولا يسأل السؤال الآخر: ماذا سأخسر إن لم أفعل شيئًا؟

وهنا تكمن مشكلة ثقافة التكيف. فهي لا تطلب منك بالضرورة أن تحب الظلم، وإنما تطلب منك أن تتعلم العيش معه. لا تطلب منك أن تؤيد القهر، بل ألا تدع القهر يفسد «حياتك الطبيعية».

وبمرور الوقت تصبح الحياة الطبيعية قيمة أعلى من العدالة نفسها.

لكن التاريخ لم تصنعه الأجيال التي اختارت السلامة دائمًا. فكثير من الحقوق والحريات والتحولات الكبرى جاءت لأن أناسًا قبلوا أن يدفعوا ثمنًا من راحتهم أو مالهم أو مكانتهم أو حريتهم، وأحيانًا من حياتهم.

التضحية، بهذا المعنى، ليست حبًا للموت.

إنها رفض لأن يكون المستقبل نسخة من الحاضر.

«أنا أحب الحياة جدًا، لكنني أرفض الذل»

هنا تأتي عبارة الشيخ أحمد ياسين لتضع المسألة في مكانها الصحيح

«أنا أحب الحياة جدًا، لكنني أرفض الذل والخنوع والعدوان على نفسي».

فالعبارة لا تضع الحياة في مواجهة التضحية، وإنما تضع الحياة في مواجهة الذل.

وهذا فارق هائل.

فالإنسان لا يقول: أنا لا أحب الحياة ولذلك أقبل الموت، بل يقول، في جوهر الفكرة: أنا أحب الحياة، ولذلك أرفض أن تتحول إلى مجرد بقاء تحت الخضوع.

إذا كانت الحياة تعني أن تبقى حيًا فقط، فإن التضحية تبدو جنونًا.

أما إذا كانت الحياة تعني الكرامة والحرية والأرض والحق والمستقبل، فإن التضحية قد تصبح ثمنًا لحماية هذه المعاني.

وهذا هو الفارق بين من يريد الحياة بأي شروط، ومن يريد حياة تستحق أن تُعاش.

فكيف بشعب تحت الاحتلال منذ أكثر من قرن؟

هنا تصبح المسألة الفلسطينية أكثر عمقًا.

فكيف نطلب من شعب عاش أكثر من قرن في قلب صراع على أرضه، بين اقتلاع وتهجير واحتلال ومصادرة وحصار، أن يتعامل مع «الحياة» باعتبارها مجرد المحافظة على الوضع القائم؟

بالنسبة لشعب يعيش تحت الاحتلال، لا يكون السؤال دائمًا: هل أختار الحياة أم التضحية؟

بل يصبح السؤال:

أي حياة تركها لي الاحتلال أصلًا؟

حين يُقتلع الإنسان من أرضه، ويُهجّر أهله، وتُصادر أرضه، ويُحاصر مستقبله، ثم يُطلب منه أن يتكيف مع الأمر الواقع باسم «العقلانية» و«حب الحياة»، فإن المطلوب منه في الحقيقة ليس أن يحب الحياة، وإنما أن يتعلم الحياة بالشروط التي يفرضها الآخرون.

وهنا نفهم أحمد ياسين بصورة أعمق.

الفلسطيني يريد أن يعيش، لكن في أرضه.

يريد أن يبني، لكن دون أن تكون حياته رهينة بإرادة المحتل.

يريد أن يربي أبناءه، لكن يريد لهم مستقبلًا لا يكون فيه الخوف قدرًا موروثًا.

يريد أن يذهب إلى البحر، وأن يزرع أرضه، وأن يعمل، وأن يحب، وأن يغني، وأن يفرح، وأن يعيش حياة عادية.

لكن الحياة العادية لشعب تحت الاحتلال تصبح، في كثير من الأحيان، فعلًا سياسيًا في حد ذاته.

ومن هنا نفهم لماذا يصبح الدفاع عن الحياة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة.

الفلسطيني لا يقاوم لأنه يكره الحياة، بل لأنه يريد استعادة حقه في أن يعيش حياة طبيعية.

التضحية ليست حبًا للموت

ومن الخطأ أن نضع التضحية في مواجهة الحياة.

التضحية ليست أن تجعل الموت غاية، بل أن تقبل كلفة من أجل قيمة تتجاوز الذات.

لكن هذا لا يعني تمجيد التضحية لذاتها. فليس كل موت بطولة، وليس كل تضحية حكمة، ولا تصبح القضية عادلة لمجرد أن أصحابها ضحوا.

قيمة التضحية ترتبط بالغاية، وبالوسيلة، وبما إذا كانت قادرة على إنتاج مستقبل أفضل.

ولهذا فإن التضحية، في سياق شعب يعيش صراعًا طويلًا على أرضه وحقوقه، لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها خسارة في الحاضر، بل ينبغي أن تُقرأ أيضًا باعتبارها محاولة لكسر الشروط التي تجعل المستقبل نسخة من الماضي.

لكن هنا تقع المسؤولية على من بقي.

فالتضحية لا تصبح انتصارًا بمجرد وقوعها.

إنها تصبح ذات قيمة تاريخية عندما تتحول إلى وعي، وصمود، وقدرة، ومشروع، وحق، ومستقبل.

طوفان الأقصى، والنتيجة التي لم تكتمل

ومن هنا يصبح النظر إلى طوفان الأقصى أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال: ماذا ربحنا وماذا خسرنا؟

إن النظر إلى النتائج الآنية في معركة ما زالت قائمة، ثم إصدار حكم نهائي عليها، خطأ استراتيجي.

فالنتيجة المرحلية ليست النتيجة التاريخية.

والخسارة التكتيكية ليست بالضرورة هزيمة استراتيجية.

كما أن المكسب الآني ليس بالضرورة انتصارًا نهائيًا.

وهذا لا يعني تجاهل الخسائر أو تعطيل النقد، بل يعني أن نضع كل نتيجة في مستواها الصحيح.

لقد أحدث طوفان الأقصى تحولات آنية وتأسيسية مهمة في القضية الفلسطينية، فأعادها إلى مركز الاهتمام الدولي، وأربك مسارات إقليمية كانت تتعامل معها باعتبارها قابلة للتجاوز، وفتح نقاشات سياسية وقانونية ودولية واسعة حول الاحتلال والحقوق الفلسطينية، وأعاد طرح أسئلة الردع والأمن ومستقبل الصراع.

لكن هذه التحولات لا تكفي وحدها لإصدار حكم استراتيجي نهائي.

فالمسار لم ينته.

والتاريخ لم يكتب خاتمته بعد.

ولهذا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة مستويات:

ما تحقق الآن، وما تغير بسبب المعركة، وما ستؤول إليه هذه التغييرات في النهاية.

الأول نتيجة آنية.

والثاني نتيجة تأسيسية.

أما الثالث فهو النتيجة الاستراتيجية التي لا يمكن الحكم عليها قبل اكتمال المسار.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم:

ماذا صنعت التضحيات؟

هل تحولت إلى وعي؟

إلى صمود؟

إلى قدرة سياسية؟

إلى تغيير في شروط الصراع؟

إلى مستقبل مختلف؟

هنا فقط يبدأ الحساب الاستراتيجي الحقيقي.

لا تكتبوا خاتمة المعركة كل ليلة

أخطر ما يمكن أن نفعله ونحن داخل المعركة أن نتصرف وكأن التاريخ أغلق صفحته.

ننظر إلى صورة اليوم، ثم نكتب حكمًا أبديًا.

نرى الخسارة فنعلن الهزيمة.

نرى المكسب فنعلن الانتصار.

كلاهما استعجال.

فالمعركة الطويلة ليست حدثًا واحدًا، بل سلسلة من التحولات التي تتفاعل حتى تتشكل النتيجة النهائية.

لكن هناك خطأ آخر لا يقل خطورة: أن نجعل المستقبل المحتمل مبررًا لكل خسارة.

لا.

التضحية ليست شيكًا على بياض.

ولا يجوز أن نستخدم قدسية الدم لإعفاء القرار من النقد.

التضحية لا تصبح انتصارًا بمجرد وقوعها، وإنما تصبح ذات قيمة استراتيجية عندما تتحول إلى قدرة على صناعة المستقبل.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: ماذا دفعنا اليوم؟

بل:

ماذا أصبح ممكنًا بعد أن دفعنا هذا الثمن؟

على هذه الأرض ما يستحق الحياة

ثم يأتي محمود درويش ليضع الجملة التي تختصر هذا الجدل كله:

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

ليس المقصود بالأرض مجرد التراب.

على هذه الأرض بيت.

وأم.

وطفل.

وذاكرة.

وكرامة.

وحرية.

وحق في المستقبل.

وهنا يلتقي درويش مع أحمد ياسين، كل من زاويته.

أحمد ياسين يقول: أنا أحب الحياة، لكنني أرفض أن تكون حياة مذلة.

ودرويش يقول: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

وبين العبارتين تولد فلسفة كاملة:

نحن لا نحب الحياة لأنها مجرد بقاء.

نحبها لأن فيها أشياء تستحق أن نحيا من أجلها.

وحين تصبح هذه الأشياء مهددة، يصبح الدفاع عنها مسؤولية.

وحين يكون الدفاع عنها مكلفًا، تصبح التضحية ثمنًا محتملًا.

ولهذا فإن الإنسان الذي يضحي ليس بالضرورة عاشقًا للموت.

قد يكون، في الحقيقة، أكثر الناس تعلقًا بالحياة، لأنه يعرف ما الذي يجعلها جديرة بأن تُعاش.

وفي النهاية لا ينبغي أن يكون السؤال: كم عشنا؟

بل:

ماذا تركنا بعد أن عشنا؟

فكل جيل يرث عالمًا لم يصنعه وحده، وسيترك بدوره عالمًا لمن سيأتي بعده.

قد نترك لهم واقعًا يشبه ما وجدناه، وقد نترك لهم فرصة لكسره.

وهنا تصبح التضحية مسؤولية تجاه المستقبل، لا احتفالًا بالموت.

نحن لا نضحي لأننا نكره الحياة، بل لأننا نحب ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولذلك، بالضبط، ما يستحق التضحية.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
نتنياهو بين دم غزة وصندوق الاقتراع
19 Aug 2026
director
المقال السياسي
النظام الانتخابي وأزمة النظام السياسي الفلسطيني
15 Aug 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
تقرير منظمة العفو الدولية كيف تحولت الهند إلى أحد أبرز مزودي إسرائيل بالسلاح
07 Aug 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
حين تُغرس السهام في الظهر طعنة القريب وأصل المأساة
04 Aug 2026
director
المقال السياسي
قرار الاحتلال بالسماح لقوة الاستقرار بالعمل في غزة: بين الاحتياج للعلاج والمسكنات الموضعية
29 Jul 2026
director
المقال السياسي
سفر الرعب القادم من طهران إلى إسرائيل
26 Jul 2026
director
المقال السياسي
مصير غزة عقب قرار حماس إنهاء حكمها
16 Jul 2026
director
المقال السياسي
من التهديد بالقضاء على إيران خلال ساعات إلى "أنا المستهدف"... قراءة في تهديد ترامب بالاغتيال
15 Jul 2026
director
المقال السياسي
الهدنة في غزة.. هل هي سلام مؤقت أم هدنة تنتظر رصاصة جديدة؟
15 Jul 2026
director
المقال السياسي
لماذا قد يسعى مجلس السلام لتحصين نفسه؟
14 Jul 2026
director
المقال السياسي
بين النقد والجلد الذاتي: مسؤولية الإعلام والمحلل والسياسي في زمن الأزمات
12 Jul 2026
director
المقال السياسي
بعد الطوفان… هل نحتاج إلى انتخابات أم إلى إعادة اكتشاف المشروع الوطني؟
11 Jul 2026
director
المقال السياسي
هل مصير الأسرى الفلسطينيين وأطباء غــزة؛ (الإعدام البطيئ أم الحرية)!!
07 Jul 2026
director
المقال السياسي
ما بعد الألف يوم: قراءة في المأزق الاستراتيجي وسيناريوهات الحسم
04 Jul 2026
director
المقال السياسي
الدبلوماسية القرآنية… عندما تقول الآية ما لا تقوله البيانات
04 Jul 2026