سماح الاحتلال الإسرائيلي للقوة الدولية للاستقرار بالانتشار التجريبي في غزة، بعد أشهر من المماطلة ومحاولة الالتفاف على بنود وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر من العام الماضي. يعد خطوة متأخرة لا سيما وهي تأتي في سياق غير واضح، خاصة مع وصف الإعلام العبري للخطوة بأنها في إطار مرحلة تجريبية سيتم اقتصار العمل فيها في منطقة محدودة، وهي التي تقع تحديداً في غرب مدينة رفح التي ما زال الاحتلال الإسرائيلي يحتلها ويمنع السكان من العودة إليها.
إن حاجة السكان في قطاع غزة كبيرة لوقف الحرب، واطلاق عملية تعافي واسعة لتجاوز تداعيات الإبادة الجماعية والتجويع، وهو ما يتطلب جهود كبيرة وواسعة تشمل عموم القطاع الذي تدمرت بنيته التحتية بفعل آلة الاحتلال العسكرية، ويفتقد أدنى الخدمات الأساسية، إضافة لاستمرار القتل والانتهاكات اليومية، إن الانتشار المشروط للقوة الدولية وفي مكان محدود جغرافياً لا يفي بحجم التحديات المطلوبة ولا يحقق الحماية المطلوبة للمدنيين، ولا يمهد لانطلاق مرحلة التعافي التي تمثل احتياج حيوي طال انتظاره.
وفي ظل التقارير المتعددة التي تؤكد بأن الاحتلال الإسرائيلي لا ينوي الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها شرق ما بات يعرف بالخط الأصفر، واستمراره بالتواجد في ما يزيد على 60% من أراضي قطاع غزة، وفي ظل عدم السماح للجنة إدارة غزة بالعمل بحرية، يعد ما سبق محاولة لذر الرماد في العيون، وخطوات شكلية لا تعبر إلا عن محاولة لإدارة الأزمة، وابقاء لحالة الاستنزاف والمعاناة، وهندسة جديدة للبيئة في القطاع المحاصر، بحيث تبقى الأجواء مواتية لتنفيذ مشروع التهجير القسري بعناوين جديدة.
إن حاجة القطاع المحاصر لا تتمثل في حلول جزئية، أو مشاريع استعراضية لا تحقق المرجو والمأمول، فالقطاع الذي تعرض لتدمير كبير وواقع مأساوي في ظل عامين من الإبادة الجماعية والتجويع التي لم يشهد العالم لها مثيل يحتاج لرؤية واضحة تتضمن إنهاء حقيقي للحرب وتطبق فيها مشاريع لإزالة آثار الإبادة. ولا يتحقق ذلك إلا بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من كامل حدود غزة، يتخلله فتح للمعابر لتدفق السلع والاحتياجات، والسماح لحكومة التكنوقراط بالعمل بحرية لإعادة إعمار القطاع المنكوب واعادة الخدمات الأساسية والمؤسسات التي دمرها مطلع عدوانه على غزة. ما سبق ليس من نافلة القول بل هو أساس مهم للوصول إلى تحقيق الاستقرار الذي شكلت من أجله القوة الدولية، ومنعاً لاستمرار حالة المأساة الإنسانية المتفاقمة في القطاع المنكوب والمحاصر.