في غزة لا يأتي الموت دائمًا من صاروخ أو رصاصة، فقد يأتي من جدار متصدع، أو سقف منهك، أو مبنى أكلت الحرب أعمدته ثم اضطر النازحون إلى الاحتماء داخله لأن البديل لم يصل وهنا تتجسد المأساة في أبشع صورها: إنسان هرب من القصف بحثًا عن الأمان، فوجد نفسه أمام ركام جديد. وخلال الأيام الأخيرة شهد قطاع غزة انهيارات في مبان متضررة، كان آخرها قرب منطقة الجامعات، فيما تحدثت التقارير عن ضحايا ومفقودين وأصوات استغاثة تحت الركام. هذه الوقائع لا يجوز التعامل معها باعتبارها حوادث إنشائية منفصلة عن الحرب، لأن استمرار دفع المدنيين إلى السكن في مبان غير آمنة هو أحد وجوه الأزمة الإنسانية التي صنعتها الحرب والدمار والنزوح المتكرر. وتؤكد الأمم المتحدة أن مخاطر المأوى في غزة تتفاقم مع اقتراب الشتاء.
المسؤولية هنا تبدأ من القوة القائمة بالاحتلال، التي تتحكم عمليًا في جزء أساسي من حركة دخول المواد الإنسانية إلى قطاع غزة. وهذا ليس اتهامًا إنشائيًا، بل يستند إلى وقائع أممية موثقة؛ فقد أكدت OCHA أن سلطات الاحتلال رفضت في 26 أغسطس دخول نحو 36960 قطعة خشب و660 مجموعة مأوى طارئة، ثم أعيد تقديم الشحنة في 2 سبتمبر فرفضت مرة أخرى، كما بقي أكثر من 442 ألف قطعة خشب بانتظار التخليص الإسرائيلي. وعندما تصبح قطعة الخشب أو أدوات إصلاح المأوى سببًا في تأخير حماية عائلة تعيش تحت سقف مهدد بالانهيار، فإن المسألة تتجاوز البيروقراطية إلى سؤال يتعلق بالالتزامات القانونية تجاه السكان المدنيين.
غزة اليوم لا تحتاج إلى تفسير جديد لمعنى النزوح فالرقم وحده يتحدث بلسان أكثر بلاغة من كل البيانات. فقد عرضت الأمم المتحدة في سبتمبر أن نحو 1.98 مليون إنسان في غزة، أي قرابة 90 بالمائة من السكان يحتاجون إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى بينما لم يحصل سوى نحو عشرة بالمائة على شكل من أشكال دعم المأوى خلال الأشهر الأخيرة. وهذه ليست فجوة إغاثية بسيطة بل أزمة حماية مدنية واسعة النطاق فالحق في الحياة لا ينفصل عن الحق في مأوى يحمي الإنسان من المطر والبرد والانهيار والحرائق والمرض كما أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون بندًا مؤجلًا إلى مرحلة إعادة الإعمار.
والأخطر أن المواد موجودة لكنها لا تصل بالسرعة المطلوبة فوفق OCHA يحتاج إدخال المواد الإيوائية العاجلة الموجودة في انتظار الموافقة إلى ما لا يقل عن 400 حمولة شاحنة، وتشمل 141 ألف شادر و7540 خيمة و3500 مجموعة لإغلاق الفتحات و2923 مجموعة مأوى طارئة و مجموعة كبيرةمن أدوات البناء. وإذا كانت هذه المواد تقف خارج القطاع بينما يقف النازح داخل خيمة متهالكة أو مبنى متضرر فإن المسافة بين المادة والإنسان تتحول إلى مسافة بين الحياة والموت وقد حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار القيود قد يجعل جزءًا كبيرًا من هذه المواد غير قادر على الوصول في الوقت المناسب للاستجابة الشتوية.
ومن هنا فإن تحميل الاحتلال المسؤولية لا يعني إعفاء بقية الأطراف من واجباتها بل يعني وضع المسؤولية في موضعها القانوني والسياسي الصحيح فسلطة الاحتلال مطالبة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني بحماية المدنيين وضمان وصول الإغاثة الإنسانية وعدم وضع عراقيل غير مبررة أمام المواد الضرورية لبقاء السكان وعندما تقول الأمم المتحدة إن القيود المفروضة على المواد المصنفة ذات استخدام مزدوج تعيق توسيع الاستجابة الإنسانية فإن ذلك يقدم أساسًا واضحًا لمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل، وليس الاكتفاء بمراقبة المأساة من بعيد.
لكن المسؤولية الإنسانية لا تتوقف عند الاحتلال وحده وهنا تأتي أهمية مجلس السلام الذي لا ينبغي أن يبقى إطارًا سياسيًا يراقب المشهد من فوق بل يجب أن يتحول إلى أداة تنفيذية عاجلة لحماية المدنيين فإذا كان المجلس معنيًا بالمسار السياسي والإنساني في غزة فإن أبسط اختبار لفاعليته هو قدرته على تحويل ملف المأوى من بند تفاوضي إلى أولوية طارئة تفرض فتح الممرات أمام الكرافانات والخيام ومواد الإصلاح وتحدد جدولا زمنياً واضحاً لدخولها وتضع آلية رقابة مستقلة تضمن وصولها إلى مستحقيها إن انتظار انهيار مبنى آخر حتى يتحرك المجتمع الدولي سيكون فشلًا في مفهوم الوقاية قبل أن يكون فشلا في الإغاثة.
مجلس السلام مطالب كذلك بالضغط السياسي والدبلوماسي من أجل إنشاء ممر إيواء عاجل لا يخضع للمنطق البيروقراطي المعتاد ويجب أن يتضمن هذا المسار إدخال الوحدات السكنية المؤقتة ومواد تدعيم المباني وأدوات إزالة الركام ومستلزمات الصرف الصحي وإنشاء مواقع إيواء آمنة بعيدة عن المباني المهددة بالانهيار فالأمم المتحدة نفسها وثقت مخاطر عديدة في مواقع النزوح، من سوء تصريف المياه والمرافق الصحية غير الآمنة والحفر المفتوحة إلى الاكتظاظ ومخاطر الحرائق وتدهور المآوي. وهذه كلها مخاطر يمكن تقليلها إذا تحولت الاستجابة من رد فعل إلى سياسة حماية مدنية استباقية.
ولعل أكثر ما يوجع في الحكاية أن النازح الفلسطيني لا يطلب المستحيل؛ إنه يطلب سقفا لا يسقط عليه، وخيمة لا تغرق فيها أطفاله و كرفان يقي أسرته من الشتاء، مكانا يستطيع فيه أن يغلق الباب ثم ينام دون أن يفكر هل سيبقى السقف فوق رأسه حتى الصباح. إن الحديث عن الكرامة الإنسانية هنا ليس ترفا لغويا ولا شعار سياسيا فالكرامة تبدأ من حماية الإنسان في أكثر لحظاته ضعفا. ولذلك فإن إدخال مواد الإيواء يجب أن ينظر إليه باعتباره اجراء من إجراءات حماية المدنيين، لا مجرد مساعدة موسمية.
وإذا كان العالم قد شاهد صور الركام بعد انهيار المباني، فعليه أن ينظر أيضًا إلى الركام الذي يسبق الانهيار، وهو الخوف والجوع والنزوح والإهمال وانتظار المواد التي تقف خلف المعابر. هناك عائلات لا تموت في لحظة الانهيار فقط، بل تعيش أيام كاملة داخل خطر معروف ومكشوف لأنها لا تملك بديلاً. ولهذا فإن أي سياسة إغاثية جادة يجب أن تعتمد مبدأ الإنذار المبكر و الإخلاء الوقائي وتقييم سلامة المباني وتحديد المواقع الآمنة وإعادة توزيع النازحين قبل وقوع الكارثة لا بعدها. وهذه مسؤولية مشتركة تتقدمها مسؤولية الاحتلال بحكم سيطرته على حركة دخول المواد، ثم مسؤولية الأطراف الدولية القادرة على الضغط والتنفيذ.
وفي النهاية فإن غزة لا تحتاج إلى بيان تعزية جديد بعد كل انهيار، بل إلى قرار إنساني عاجل. وعلى مجلس السلام أن يتحرك الآن بصلاحيات واضحة لفتح مسار سريع لإدخال الكرافانات ومواد الإيواء والإصلاح، وأن يطالب الاحتلال برفع القيود التي تعطل دخولها، وأن ينشئ آلية دولية للرقابة على التنفيذ والتوزيع. إن كل يوم تأخير يعني أن آلاف العائلات ستظل محاصرة بين خيمة لا تحميها وبناية قد لا تصمد. وقد يكون أكثر الأسئلة مرارة في هذه المأساة ليس كم شخصًا سيخرج من تحت الركام، بل كم شخصًا كان يمكن إنقاذه لو وصل المأوى قبل أن يسقط الركام. فالقانون الدولي يتحدث عن حماية المدنيين، والضمير الإنساني يتحدث عن الرحمة، والسياسة تتحدث عن المسؤولية، أما غزة فلا تطلب الآن سوى شيء واحد: أن تصل هذه الكلمات إلى قرار يحمي الإنسان قبل أن يصبح اسمه رقما آخر في سجل الضحايا.