لم يعد الموقف الآيسلندي من الحرب على غزة مجرد تعبير دبلوماسي عابر يضاف إلى سجل المواقف الدولية المتناثرة بل بات يستحق القراءة بوصفه مؤشراً على عودة سؤال القانون الدولي إلى صدارة النقاش السياسي بعد أن طغت عليه لسنوات حسابات القوة وموازين الردع والمصالح الجيوسياسية. وما قالته وزيرة الخارجية الآيسلندية كاترين غونارسدوتير أمام الأمم المتحدة بشأن ضرورة التفاوض وتحقيق السلام العادل ورفض انتهاك القانون الدولي ووصول المساعدات الإنسانية يضع المجتمع الدولي أمام معادلة تتجاوز حدود الخطاب السياسي إلى جوهر النظام الدولي الذي يفترض أن تكون قواعد القانون فيه مرجعا منظما للعلاقات بين الدول.
المغزى الأعمق في هذا الموقف أن آيسلندا لم تتعامل مع مأساة غزة باعتبارها أزمة إنسانية منفصلة عن سياقها السياسي والقانوني وإنما ربطت بين حماية المدنيين وإيصال المساعدات وبين ضرورة معالجة جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني. وهذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة لأن اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإغاثي قد يحول المساعدات من حق إنساني إلى أداة لإدارة الأزمة بينما يبقى أصل المشكلة قائما. فالقانون الدولي الإنساني ينظم حماية المدنيين أثناء النزاعات ولا يلغي في الوقت نفسه القواعد القانونية المرتبطة بالاحتلال وتقرير المصير والحقوق السياسية للشعوب.
وفي هذا السياق يمكن قراءة تصريحات غونارسدوتير باعتبارها تذكيرا بأن السلام ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار ولا ترتيباً أمنيا قابلاً لإعادة إنتاج الصراع بعد فترة قصيرة فالسلام المستدام يحتاج إلى مرجعية سياسية وقانونية تعالج مسألة الحقوق وتضع حداً لتغيير الوقائع على الأرض بالقوة ولذلك فإن الحديث عن التفاوض لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء زمني مفتوح يسمح باستمرار الاستيطان أو التهجير أو فرض الوقائع الجديدة بينما يجري إبقاء التسوية السياسية في حالة انتظار دائم.
وتزداد أهمية الموقف الآيسلندي عند وضعه في سياق العلاقة التاريخية بين ريكيافيك والقضية الفلسطينية فقد اعترفت آيسلندا بدولة فلسطين عام 2011 وأكدت في مناسبات مختلفة دعمها لحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره كما أعلنت في عام 2026 تدخلها في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة، وهذه الخطوة تحمل دلالة قانونية تتجاوز حدود التضامن السياسي لأنها تعكس انخراطاً في مسار قضائي دولي تتداخل فيه مسؤوليات الدول مع قواعد القانون الدولي.
ومن هنا تبرز نقطة جوهرية تتمثل في أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للاختزال في كونها موضوعاً للخلاف السياسي بين أطراف متنازعة فحسب بل أصبحت أيضاً جزءًا من النقاش الدولي حول مدى احترام قواعد القانون الدولي وفعالية المؤسسات متعددة الأطراف فعندما تصبح مسائل الاحتلال والاستيطان والتهجير وحماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية محل نقاش أمام المؤسسات الدولية فإنها تنتقل من دائرة الخطاب السياسي المجرد إلى فضاء المسؤولية القانونية والالتزامات الدولية.
ولعل حديث الوزيرة الآيسلندية عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين يلفت الانتباه إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهي مسألة تغيير الحقائق على الأرض. فالمفاوضات التي تجري في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتآكل المجال الجغرافي الفلسطيني تواجه معضلة بنيوية تتمثل في أن الواقع الميداني يتغير بصورة أسرع من قدرة العملية السياسية على إنتاج حل عادل ومن ثم فإن أي حديث جدي عن حل الدولتين لا يمكن فصله عن مسألة الحفاظ على الأساس الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن تقوم عليه هذه التسوية.
وفي البعد الآخر من الموقف الآيسلندي تبرز مسألة المساعدات الإنسانية بوصفها اختبارا حقيقيا لصدقية النظام الدولي، فالمساعدات ليست امتيازاً سياسياً تمنحه الأطراف المتحاربة متى شاءت وإنما ترتبط بمبادئ الحماية الإنسانية وبواجبات تنظمها قواعد القانون الدولي الإنساني. وعندما يصبح وصول الغذاء والماء والدواء والمأوى إلى المدنيين رهنا بالتجاذبات السياسية فإن المسألة لا تعود مجرد أزمة لوجستية وإنما تتحول إلى قضية تتصل بكرامة الإنسان وبمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية الفئات الأكثر هشاشة في زمن الحرب.
وفي هذا الإطار تبدو عبارة غونارسدوتير حول أولئك الذين يرفضون التفاوض أو يمنعون وصول المساعدات أو يستخفون بالقانون الدولي أكثر من مجرد انتقاد سياسي فهي تطرح سؤالاً حول معنى الشرعية الدولية نفسها فالنظام الدولي لا يستطيع أن يطالب الدول باحترام قواعده في ملف وأن يسمح بتعطيلها في ملف آخر دون أن تتآكل الثقة في مؤسساته. وهذه الإشكالية لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل تمس صورة النظام متعدد الأطراف وقدرته على إنتاج قواعد قابلة للتطبيق بعيدا عن ازدواجية المعايير.
ولذلك فإن قيمة الموقف الآيسلندي لا تكمن في ارتفاع نبرة الخطاب وإنما في وضوح مرجعيته. فالدبلوماسية لا تفقد قيمتها عندما تتحدث بلغة القانون والحقوق بل ربما تستعيد جزءا من وظيفتها الأصلية عندما تتحول من إدارة الأزمات إلى البحث عن حلول تستند إلى قواعد واضحة. والمطلوب من الدبلوماسية الدولية في الحالة الفلسطينية ليس فقط إنتاج البيانات والنداءات وإنما تحويل المرجعية القانونية إلى سياسات عملية تحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات وتدفع باتجاه تسوية سياسية قابلة للحياة.
كما أن الإشارة إلى محكمة العدل الدولية والمؤسسات القضائية الدولية تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل النظام القانوني الدولي، فالمحاكم الدولية لا تستطيع وحدها إنهاء الحروب أو فرض السلام لكنها توفر إطارا قانونيا يمكن من خلاله تثبيت المبادئ وتحديد الالتزامات وبلورة المسؤوليات. ومن ثم فإن احترام أحكام وآراء القضاء الدولي لا ينبغي أن يكون مرتبطا بموازين القوة أو بمواقف الدول من أطراف النزاع وإنما بمبدأ عام مفاده أن القانون لا يكون قانونا إذا أصبح تطبيقه انتقائيا.
وفي الحالة الفلسطينية تحديداً تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الكارثة إلى مرحلة معالجة أسبابها، فإعادة الإعمار مهمة ضرورية لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحل السياسي ولا إلى آلية لإعادة إنتاج واقع هش قابل للانفجار مجددا. كما أن وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الصراع وإنما يمكن أن يكون مدخلا لمسار سياسي وقانوني أوسع يعالج قضايا الاحتلال والاستيطان والحدود والقدس واللاجئين وتقرير المصير والأمن وفق مرجعيات دولية واضحة.
ومن هنا يمكن فهم الموقف الآيسلندي باعتباره صوتاً داخل النظام الدولي يدعو إلى إعادة الاعتبار للقاعدة القانونية في مواجهة منطق القوة. فالمطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات التي تندد بالأوضاع الإنسانية ثم تعود إلى أرشيف الأمم المتحدة وإنما ترجمة المبادئ المعلنة إلى خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية تحمي المدنيين وتضمن تدفق المساعدات وتدعم المؤسسات الإنسانية وتحافظ على دور الأونروا وتدفع نحو تسوية تقوم على الحقوق لا على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية وفي نهاية المطاف فإن السلام الذي يستحق اسمه لا يولد من الصمت على الظلم ولا من مجاملة القوة وإنما من قاعدة واضحة تقول إن القانون فوق القوة وإن كرامة الإنسان ليست ورقة تفاوضية وإن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ينبغي أن يبقى جزءًا أصيلا من أي تصور جاد لسلام عادل ودائم.