هندسة الوعي القيمي واستعادة البوصلة الوطنية (استراتيجية اتصالية)
24 Oct 2026

​كشف الواقع وتبديد الأوهام

​تكتسب معارك الشعوب المقهورة أبعاداً تتجاوز الميدان العسكري والسياسي لتصل إلى عمق المعركة الفكرية والاتصالية.

وفي ظلال التحولات الإقليمية المتسارعة والحروب المصيرية التي تخوضها القضية الفلسطينية، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى اتساق الوعي الفلسطيني ذاته مع متطلبات مرحلة وجودية لا تحتمل المراهنات الخاطئة ولا الشطحات العاطفية.

​تأتي هذه السطور لتفكيك حالة من "التشتت الفكري" والارتهان الملاحظ لدى قطاعات من النخب والناشطين الفلسطينيين، والذين يقعون أحياناً في فخ استرخاص مواقفهم وتغليب الشعارات العابرة على حساب أولويات قضيتهم الوطنية المركزية.

وأنبّه هنا على أن القضايا العادلة لا تُحمى بالطيباوية العاطفية أو بالرهان على أدبيات شمولية أثبتت التجربة الميدانية ضآلة أثرها أوقات الشدة، بل تُصان بـ وعي سياسي صلب وبراغماتي، يُدرك حجم التوازنات، ويُحافظ على القيمة المعنوية والسياسية للصوت الفلسطيني.

​إشكالية المقاربة غير المتكافئة واختلال الأولويات

​تعتبر واحدة من أعمق إشكاليات الوعي السياسي لدى بعض الفاعلين الفلسطينيين تتجلى في تبني خطابات أيديولوجية شمولية عابرة للحدود، من قبيل الحديث المفرط عن "إسلامية الصراع" أو "العمق الاستراتيجي المجرّد للأمة".

تكمن المشكلة هنا في أن الفلسطيني عندما يُخاطب محيطه الإقليمي بهذه اللغة المبدئية، يجد نفسه يواجه دولاً ونخباً تتعامل بلغة الدولة الوطنية الحصرية، والحسابات المباشرة، والمصالح السياسية والأمنية الضيقة.

​هذا التناقض يُنتج وضعاً غير متكافئ؛ حيث يقدّم الفاعل الفلسطيني مواقف وتضحيات وتضامناً مجانياً باسم "المصير المشترك"، بينما يُرد عليه عملياً بلغة "أولويات أمننا القومي وحساباتنا الداخلية التي تتقدم على أي قضية أخرى، بما فيها القدس وفلسطين".

وعندما حلت المفاصلة الكبرى، أثبتت تلك المصطلحات الطويلة الممتدة أنها مجرد شعارات جوفاء، وكانت بمثابة سوط خذلان إضافي يُضاف إلى معاناة الفلسطيني ومحاصرته في سقوف العالم الظالم والمحيط المنشغل.

​فالمراجعة الفكرية الواعية تقتضي الانتقال من الرهان على الأوهام الشمولية إلى استعادة مركزية القضية الفلسطينية لدى أبنائها، وتغليب المصلحة الوطنية المباشرة على الارتهان للتقلبات الإقليمية.

​معادلة الفطرة السليمة بين استقرار الدول ومسار التطبيع

​ضمن السياق ذاته، تحاول بعض الأدبيات الترويج لمعادلة صفريّة مفادها: أن دعم أمن الدول العربية واستقرارها يقتضي بالضرورة السكوت عن مساراتها السياسية الجديدة، وعلى رأسها التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وهنا تأتي "الفطرة السليمة" لتصويب هذا الإنحراف، عبر تفكيك الموقف إلى محددين رئيسيين:

​- التضامن مع استقرار الشعوب موقف مبدئي:

دعم أمن ووحدة واستقرار أي بلد عربي شقيق (كسوريا أو غيرها) هو موقف أخلاقي أصيل لا يتجزأ، وقوة المحيط العربي ووحدته تُشكل في جوهرها سنداً مبدئياً للقضية الفلسطينية.

​- رفض مقايضة الاستقرار بالتطبيع:

لا يجوز بحال من الأحوال جعل استقرار أي دولة أو نمائها مشروطاً بتوقيع اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال، أو تصوير التطبيع كمتطلب تنموي لا مفر منه.

وهنا يجب تأكيد المؤكد بأن نقد النخب الفلسطينية لمسارات التطبيع لا ينبع من ضغينة أو "كره للخير" لتلك الشعوب، بل هو ممارسة لحق مشروع في الدفاع عن قضية وجودية يُمنح الاحتلالُ الشرعية على حساب دماء أبنائها وأرضهم.

​ظاهرة "تكسيد المواقف" والتبديد المجاني للرصيد المعنوي

​في عالم منصات التواصل الاجتماعي والخطاب الإعلامي السياسي، يقع العديد من المغردين والناشطين الفلسطينيين في فخ "التكسيد المجاني للمواقف"، عبر المبالغة في الاحتفاء بالإنجازات والخطابات الوطنية لدول أخرى دون قراءة متأنية للبيئة السياسية أو التوجهات الضمنية لتلك الدول.

ويقتضي الحذر الإتصالي والوعي السياسي هنا ألا يُهدر الفلسطيني تعاطفه ومواقفه بالمجان، فالصوت الفلسطيني هو أداة نضالية مستقلة، والحفاظ على "مسافة أمان اتصالية" يضمن عدم تحول التضامن الفلسطيني إلى حطب يُحرق في أفران التوازنات الإقليمية وحسابات الآخرين.

​الكتابة كواجب أخلاقي في زمن غياب المنطق الجمعي

​قد يتساءل المتابع: ما فائدة التذكير والنقد عندما ترى قومك ينجرفون نحو مواقف عاطفية، وتطغى المصالح الفردانية وتتلاشى العقلانية الجمعية؟

​تصبح الكتابة والتذكير في مثل هذه اللحظات ليست ترفاً فكرياً ولا محاولة للتعالي، بل هي مقاومة واعية لحماية الوعي من الإندثار.

وتتجلى أهمية هذا الخطاب النقدي في نقاط ثلاث:

- ​حفظ الوعي والتاريخ: تسجيل موقف للتاريخ يمنع تزوير المفاهيم أو تحريف البوصلة عندما تهدأ العاصفة.

- ​إقامة الحجة الأخلاقية: الثبات على المبادئ السياسية والأخلاقية عندما يُفلس الآخرون براغماتياً ويفرطون في الثوابت.

- ​تنبيه العقلاء: التوجه إلى القلة الواعية التي تُدرك أن القضية لا تُدار بالانفعال اللحظي، بل بالصمود الفكري والرزانة.

​استعادة الذات والبوصلة الوطنية

وأختم هنا بالقول بأن الخلاصة الحتمية التي ينبغي أن يتوقف عندها كل فاعل وسياسي وإعلامي فلسطيني، هي أن حماية الحقوق الوطنية لا تتأتى من خلال استجداء التضامن أو دمج القضية في مشاريع الآخرين، بل تبدأ من بناء وعي وطني براغماتي متزن.

​وعيٌ يُفرّق بين احترام الشعوب العربية الشقيقة والتضامن مع قضاياها المشروعة، وبين الانجرار خلف مسارات سياسية تُصادر الحق الفلسطيني وتحوله إلى ثمن لرفاهيتها.

فالقضايا العادلة تُدار بعقول باردة تزن الموقف بميزان المصلحة الوطنية العليا، وتصون الصوت الفلسطيني كوثيقة حق غير قابلة للمساومة أو البيع في سوق المصالح الفردية أو التفاهمات الإقليمية، فلا تردعها تصنيفات ولا يقوضها أو يخيفها اغتيال معنوي أو ذباب.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
حين يصبح الاتهام شهادة براءة
16 Oct 2026
director
المقال السياسي
الرهان الخاسر.. عندما يجازي الاحتلال منقذيه بالهدم والتشريد!
13 Oct 2026
director
المقال السياسي
غزة بعد ثلاث سنوات من الطوفان
06 Oct 2026
director
المقال السياسي
الموقف الآيسلندي وفلسطين واستعادة القانون الدولي لمرجعيته
29 Sep 2026
director
المقال السياسي
على عكس التوقعات؛ هل ينفذ الرئيس عباس الانتخابات في نوفمبر 2026؟
22 Sep 2026
director
المقال السياسي
الانتخابات الفلسطينية 2026: تحليل مواقف القوى المؤثرة في غياب الإرادة السياسية
21 Sep 2026
director
المقال السياسي
في غزة..حين يصبح غياب المأوى حكمًا بالموت
16 Sep 2026
director
المقال السياسي
من إدارة الصراع إلى الهيمنة الإقليمية: هل يعيد المشروع الإسرائيلي تشكيل الشرق الأوسط؟
07 Sep 2026
director
المقال السياسي
انتصرت إيران استراتيجياً على أمريكا
05 Sep 2026
director
المقال السياسي
حين تصبح الانتخابات سؤالًا عن النظام لا عن الصندوق
03 Sep 2026
director
المقال السياسي
من الردع إلى العزل: إسرائيل نحو إدارة التهديد وحرب بلا نهاية سياسية...
24 Aug 2026
director
المقال السياسي
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
20 Aug 2026
director
المقال السياسي
نتنياهو بين دم غزة وصندوق الاقتراع
19 Aug 2026
director
المقال السياسي
النظام الانتخابي وأزمة النظام السياسي الفلسطيني
15 Aug 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
تقرير منظمة العفو الدولية كيف تحولت الهند إلى أحد أبرز مزودي إسرائيل بالسلاح
07 Aug 2026