منذ أزل التاريخ، ومنذ أن وطئت أرض فلسطين بأقدام المحتلين، بقيت السنن الإلهية والواقع السياسي والتاريخي تؤكد حقيقة واحدة لا تقبل البتر أو الالتواء: من يرضى بالعيش تحت مظلة الاحتلال و"بساطيره"، ويسعى لنيل رضاه أو الاندماج في منظومته، لن ينال سوى الخزي والعار، ولن تجديه نفعا كل محاولات التملق أو تقديم أوراق الولاء المؤقتة.
فالاحتلال بطبيعته العنصرية البغيضة لا يعترف إلا بلغة القوة والقهر، ولا يميز بين عربي وآخر حين يتعلق الأمر بمشروعه الاستيطاني.
تتجسد هذه المأساة الحية اليوم في قصة المواطن يوسف الزيادنة من النقب المحتل، الذي تصدر المشهد لسنوات باعتباره (البطل) الذي خاطر بحياته يوم السابع من أكتوبر لإنقاذ نحو 30 مستوطنا من الموت المحقق. حينها، تسابقت وسائل الإعلام العبرية والمؤسسات الرسمية لدولة الاحتلال لالتقاط الصور معه، وتقليده أوسمة "البطولة والشهامة الإنسانية"، مستغلين هذه القصة لتلميع صورتهم أمام الرأي العام العالمي.
لكن ما أسرع أن سقط قناع الزيف، وانكشفت الحقيقة الساطعة كالنهار، فبعد ثلاثة أعوام فقط من تلك البطولة المزعومة، لم تشفع ليوسف تلك الأرواح التي أنقذها، ولا الأوسمة التي علقت على صدره.
جاءت إخطارات وأوامر الاحتلال العسكرية لتستهدف ممتلكاته وعائلته، مهددة بتهديم البيوت وكأن شيئا لم يكن. سقطت كل شعارات (الوفاء الإسرائيلي) أمام لغة الجرافات والعنصرية المطلقة التي لا تفرق بين فلسطيني وآخر، بغض النظر عن مواقفه السابقة.
إن ما حدث مع الزيادنة وأمثاله ممن رضي بعضهم العيش على هامش منظومة الاحتلال متمنين نيل بعض الفتات أو الأمان الزائف، يمثل درسا بليغا لكل من يراهن على الاحتلال أو يعتقد أن الولاء له قد يحمي بيتا أو يصون عرضا أو يمنع جرافة غاشمة.
فالمستوطنون وجماهير الاحتلال وجيشه لا يرون في الفلسطينيين سوى أهداف للإزالة أو عمالة رخيصة تستغل في لحظة الحاجة ثم تلقى في سلة المهملات. ولن تشفع لهؤلاء تضحياتهم، وستبقى نهاية كل من يرضى بالذل والخنوع تحت بساطير الاحتلال هي الخذلان والعار، تماما كما أثبت الواقع مجددا في قضية يوسف الزيادنة.
إن العبرة المستخلصة من هذه النماذج الأليمة هي أن الرهان الحقيقي والوحيد يجب أن يبقى على الثبات والهوية والانتماء للأرض والوطن، فمن يعيش كريما على أرضه هو وحده من يحميه انتماؤه، أما من يختار طريق الخنوع والارتباط بجلاده، فلا يقطف سوى خيبة الأمل ومرارة الخذلان.