مفارقات وطنية
في الحالة الفلسطينية، لا يدور الصراع على الأرض والحقوق والتمثيل السياسي وحدها، بل يمتد إلى تعريف الوطنية، وتحديد من يملك حق الحديث باسمها، ومن ينبغي إخراجه من دائرتها. وحين يعجز خطاب سياسي عن إقناع الناس بخياراته، فإنه يلجأ أحيانًا إلى وسيلة أسهل من الحجة: تخوين المختلف، وربط موقفه بأجندة خارجية، وتصوير اعتراضه باعتباره امتدادًا لمشروع لا ينتمي إلى الإرادة الوطنية.
لكن لهذا الأسلوب مفارقة قد يغفل عنها أصحابه: أن الاتهام الذي يُراد به عزل مشروع المقاومة قد يتحول إلى عامل يعزز حضوره، وأن محاولة تجريده من شرعيته قد تدفع قطاعات من الجمهور إلى إعادة النظر في دوافع مطلقي الاتهام.
ليست المشكلة في نقد العلاقات الخارجية أو التحذير من النفوذ الإقليمي؛ فاستقلال القرار الفلسطيني مبدأ لا يستقيم دون مساءلة كل علاقة وتحالف. المشكلة أن تتحول التبعية إلى تهمة انتقائية، تُستدعى ضد من يختلف مع خيارات سياسية بعينها، بينما تُقدَّم علاقات أخرى، مهما بلغت كلفتها أو قيودها، باعتبارها واقعية تفرضها الضرورات.
عند هذه النقطة، لا يعود النقاش حول مضمون العلاقة الخارجية، ولا حول حدود تأثيرها في القرار الوطني، بل حول هوية الطرف الذي يرتبط بها. يصبح بعض الارتباطات دليلًا على الحكمة السياسية، فيما تتحول ارتباطات أخرى إلى قرينة جاهزة على انعدام الوطنية. وهذه ليست مساءلة جادة لاستقلال القرار، بل ازدواجية في المعايير تضعف صدقية الخطاب الذي يدّعي الدفاع عنه.
والسؤال الذي ينبغي أن يتقدم هذا السجال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: هل تُقاس وطنية الموقف باسم الجهة التي تتقاطع معه، أم بمدى خدمته لحقوق الفلسطينيين وقدرتهم على تقرير مصيرهم؟
إن مشروع المقاومة، بوصفه تعبيرًا عن رفض استمرار الاحتلال والتمسك بحق التحرر، لا ينبغي أن يُختزل في خريطة محاور إقليمية، ولا أن يُحاكم فقط من خلال علاقاته الخارجية. فالقضية الفلسطينية لم تنشأ نتيجة اصطفاف إقليمي، وحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال والتحرر منه لا يستمد مشروعيته من رضا هذه الدولة أو غضب تلك، بل من واقع الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
وهذا لا يعني إعفاء أي حركة مقاومة من النقد، أو افتراض صحة كل قرار تتخذه. بل يعني الفصل بين مشروعية القضية وحق شعبها في التحرر، وبين تقييم السياسات والقرارات التي تتبناها القوى العاملة في سبيل ذلك. فالنقد الذي يسعى إلى تصويب المسار وتعزيز استقلال القرار يختلف جوهريًا عن خطاب يريد تحويل الأخطاء المحتملة إلى ذريعة لنزع الشرعية عن المشروع كله.
والخلط بين الأمرين يضر بالقضية مرتين: مرة حين يمنع المراجعة الضرورية داخل مشروع المقاومة، ومرة حين يوظف تلك الأخطاء لتسويق بدائل سياسية لا تُقاس بالنتائج التي حققتها للشعب الفلسطيني، بل بالشعارات التي ترفعها أو بالقبول الذي تحظى به لدى الأطراف الخارجية.
من هنا، يصبح التخوين أداة سياسية خطرة، خصوصًا حين يُستخدم بدلًا من مناقشة السؤال الأصعب: ماذا قدمت الخيارات المطروحة للفلسطينيين؟ هل حمت حقوقهم، ووسعت قدرتهم على الفعل، وحافظت على قضيتهم بوصفها قضية تحرر وطني؟ أم أنها قيدت خياراتهم، وعمقت تبعيتهم، وحوّلت التسويات المؤقتة إلى سقف لطموحاتهم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بتوزيع الاتهامات، وإنما بفحص الوقائع والنتائج، ومقارنة الكلفة بالعائد، والنظر في قدرة كل مسار على خدمة الحقوق الوطنية. فليس كل من يرفع شعار الواقعية واقعيًا في نتائجه، وليس كل من يتبنى خيار المقاومة معصومًا من الخطأ. لكن لا يجوز أن تتحول أخطاء الفاعلين إلى مبرر لإلغاء حق الشعب في التحرر، كما لا يجوز أن تتحول قداسة القضية إلى حصانة تمنع مراجعة الفاعلين.
أما المفارقة الأبرز، فتظهر عندما يفرط الخطاب السياسي في استخدام تهمة التبعية. فالتكرار، في غياب الأدلة المقنعة، قد يضعف أثر الاتهام بدل أن يعززه. وعندما يُوصم كل من يرفض مسارًا سياسيًا معينًا بالارتباط بالخارج، فقد يرى بعض الجمهور في ذلك محاولة لإسكات الاعتراض، لا كشفًا لحقيقة الموقف.
عندها يحدث الارتداد: يتحول الاتهام من أداة للعزل إلى مناسبة لإعادة الاعتبار للمستهدف، وقد تصبح التهمة لدى أنصاره علامة على رفض الإملاءات والتمسك بخيار مختلف. لا لأن كل متهم بريء، ولا لأن كل موقف يتبناه صحيح، بل لأن خطاب التخوين يفقد قدرته على الإقناع حين يُستخدم لتجنب النقاش بدلًا من خوضه.
وقد يكون الأثر الأبعد من ذلك أن يتجاوز الاتهام صاحبه والمستهدف به، فيدفع الجمهور إلى التشكيك في منظومة المعايير التي أنتجته. فحين يرى الفلسطيني أن علاقات خارجية تُعامل باعتبارها براغماتية في حالة، وتبعية في حالة أخرى، يصبح من حقه أن يسأل عن المعيار الحقيقي: أهو استقلال القرار، أم مدى الانسجام مع خيارات القوى السياسية القائمة؟
وهنا ينبغي التمييز بين الدفاع عن مشروع المقاومة وبين تحويله إلى هوية مغلقة. فالمشروع الذي يريد أن يبقى مشروعًا وطنيًا جامعًا يحتاج إلى قاعدة واضحة: استقلال القرار، وتقديم المصلحة الفلسطينية، وإخضاع الخيارات للتقييم، ورفض أن تتحول التحالفات إلى قيود على الإرادة الوطنية. وكلما اقترب المشروع من هذه القاعدة، ازدادت قدرته على مقاومة محاولات عزله أو احتوائه.
كما أن حماية مشروع المقاومة لا تتحقق بمجرد الرد على اتهامات خصومه، بل بتقديم خطاب وطني قادر على تفسير الخيارات، ومراجعة الأخطاء، وتوضيح حدود العلاقات الخارجية، وإثبات أن التحالفات وسائل تخدم القضية ولا تتحول إلى بدائل عنها. فالمعيار ليس كثرة الشعارات، بل القدرة على صيانة استقلال القرار وتحمل مسؤولية النتائج.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحالة الفلسطينية هو أن يتحول الاختلاف في الاستراتيجيات والتحالفات إلى صراع على احتكار الوطنية، بينما يتراجع النقاش حول كيفية إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق وبناء مشروع تحرري قادر على توحيد الفلسطينيين. فعندما يصبح السؤال الأول: «مع من أنت؟»، يجري إهمال السؤال الأهم: «ماذا تريد لفلسطين، وكيف ستحقق ذلك، وما الثمن الذي ستدفعه من حقوق شعبك؟».
إن الوطنية الفلسطينية أوسع من أن تحتكرها جهة، وأعمق من أن تختزلها خريطة محاور. ومشروع المقاومة لا يحتاج إلى تخوين كل من يختلف معه كي يدافع عن مشروعيته، كما لا يحتاج إلى الصمت عن أخطائه كي يحافظ على مكانته. إنه يحتاج إلى معيار وطني ثابت، يُحاسب الجميع على أساسه، ويضع الحقوق الفلسطينية فوق حسابات الأطراف ومصالحها.
أما من يريد إضعاف مشروع المقاومة، فلن يحقق ذلك بمجرد تكرار تهمة التبعية؛ ومن يريد الدفاع عنه، فلن ينجح بمجرد رفض الاتهام. الحسم في ميدان الحجة والنتائج: في استقلال القرار، وحماية الحقوق، والقدرة على تحويل التضحيات إلى مسار وطني يقترب بالشعب من حريته.
فحين يصبح التخوين بديلًا عن الحجة، قد تتحول التهمة إلى شهادة براءة في نظر جمهور فقد ثقته بمطلقيها. وحين يُستخدم الخارج لتجريم موقف دون آخر، يصبح السؤال عن ازدواجية المعايير جزءًا من المعركة على الوعي الوطني.
مشروع التحرر لا تحميه صكوك الوطنية، بل تحميه عدالة قضيته، واستقلال قراره، وقدرته على إقناع شعبه بأنه يسير به نحو الحرية.