رغم صدور المراسيم الرئاسية، وإقرار النظام الانتخابي، وتقدّم إجراءات لجنة الانتخابات وجاهزية الاستعدادات، لا يزال معظم الفصائل والسياسيين والمحللين والكتّاب يتحفّظون على ترجيح إجراء الانتخابات في موعدها.
ويستمر هذا التحفظ رغم وضوح الأجندة، وتوافر ظروف مواتية، ووضع بدائل وخطط طوارئ لقطاع غزة؛ وهي خطوات تمنح الاستحقاق الانتخابي أرضية عملية تستحق النظر، إلى جانب قراءة المواقف والتصريحات.
الأكثر تفاؤلا
أما الأكثر تفاؤلا، فتتمحور كتاباتهم ورؤاهم السياسية حول دعم الانتخابات والحث على إجرائها، وإبراز أهميتها في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة. وتنطلق هذه المواقف من إدراك أن تجديد الحياة السياسية الفلسطينية يتيح فرصة لتعزيز الحضور الفلسطيني والتفاعل مع تلك التحولات.
الأسباب الرسمية للإلغاء لا تزال قائمة
في المقابل، يرجّح كثير من الكتّاب والمحللين الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين وغيرهم أن يؤجّل الرئيس عباس انتخابات نوفمبر 2026، استنادًا إلى تجارب سابقة، وإلى استمرار الأسباب الرسمية التي استُخدمت لتبرير الإلغاء، وقد أضيفت إليها كارثة غزة وما فرضته من صعوبات.
ومع وجاهة النظر إلى هذه العقبات، فإن بقاءها لا يعني بالضرورة تكرار النتيجة نفسها؛ فالسياق السياسي تغيّر، كما أن إعداد البدائل وخطط الطوارئ يفتح مجالًا للتعامل معها والمضي في الاستحقاق.
تسريبات تعزز توقعات الإلغاء
وتتغذى توقعات الإلغاء من تسريبات منسوبة إلى المجلسين الثوري والمركزي، ومن تصريحات لشخصيات رفيعة المستوى في السلطة، عبر القنوات العربية والمحلية وشبكات التواصل الاجتماعي.
غير أن تقدير اتجاه القرار يقتضي قراءة هذه التصريحات إلى جانب الإجراءات الرسمية الجارية؛ إذ تظل المراسيم والاستعدادات والترتيبات الانتخابية مؤشرات عملية لها وزنها في تحديد المسار.
معادلات صعبة وفرص متاحة
يقف الرئيس عباس اليوم أمام معادلة سياسية دقيقة، توازن بين تبعات التغيير وكلفة استمرار الجمود. وفي هذه المعادلة، تبرز الانتخابات بوصفها فرصة لتجديد النظام السياسي وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات.
فالتفاعل مع مبادرة فرنسا والمملكة العربية السعودية وبعض الدول، وما تتضمنه من إصلاحات، يتيح توسيع الدعم الدولي للموقف الفلسطيني. أما إهمالها، فيترك مساحة أوسع للسياسات اليمينية الإسرائيلية التي تستهدف الوجود السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما أن الاستجابة لمتطلبات الإصلاح تعزّز فرص الحضور الفلسطيني دوليا، في وقت تتزايد فيه الضغوط، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي الذي تجلى في منع إصدار تأشيرات المشاركة في أعمال الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي، استنادا إلى ملف الإصلاحات وقضايا جوهرية أخرى.
وعلى المستوى الداخلي، يتيح تجديد الشرعيات وإعادة توزيع القوى داخل النظام السياسي تخفيف الاحتقان الشعبي، وتوسيع المشاركة، واستعادة ثقة الناس تدريجيًا. ومن هنا، تصبح الانتخابات مدخلًا لمعالجة الانغلاق السياسي، وخطوة تمنح المؤسسات قدرة أكبر على استيعاب الاختلاف وإدارته.
السياسات الإسرائيلية وبعض الإدارات الأمريكية تجاه الكيان الفلسطيني*
تزداد أهمية هذا التجديد عند النظر إلى السياسات التي واجهت المشروع الوطني الفلسطيني.
فقد عمل بنيامين نتنياهو، خلال فترات توليه رئاسة الحكومة بين عامي 1996 و2026، وبدعم من بعض الإدارات الأمريكية، على تقويض حل الدولتين، وتغذية الانقسام، وترويج مقولة غياب الشريك الفلسطيني، وإعاقة جولات التفاوض من عهد بيل كلينتون إلى عهد باراك أوباما.
واستمر هذا النهج في إضعاف النظام السياسي الفلسطيني وتعطيل جهود المصالحة، وصولا إلى السابع من أكتوبر وما أعقبه من حرب واتساع للجبهات.
وجاءت مقولة نتنياهو «لا فتحستان ولا حماسستان» لتعبّر عن رفض يتجاوز الخلاف مع فصيل بعينه إلى رفض قيام كيان سياسي فلسطيني.
وفي مواجهة هذا المسار، تكتسب إعادة بناء المؤسسات وتجديد شرعيتها أهمية وطنية إضافية؛ فكل تقدّم نحو نظام سياسي أكثر تمثيلًا وتماسكًا يعزّز القدرة الفلسطينية على مواجهة محاولات الإقصاء والتفكيك.
مفارقات الانتخابات بين عامي 2006 و2026
تساعد العودة إلى انتخابات 2006 على فهم بعض التحفّظات الراهنة. فرغم أن الرئيس عباس كان سيبقى في منصبه بغض النظر عن نتائجها، فإنه لم يكن مطمئنا إلى مآلاتها، حتى حين كانت استطلاعات الرأي تقدّم تقديرات تخالف حدسه.
وقد تركت تلك التجربة أثرا ممتدا في حساباته السياسية.
غير أن استحضارها اليوم يكتمل بالنظر إلى الفوارق بين المرحلتين؛ فالظروف التي أحاطت بانتخابات 2006 تختلف عن الترتيبات والموازين التي تحيط باستحقاق 2026.
الانتخابات بين الإرادات
وفي سياق الحديث عن انتخابات 2006، قال دوف فايسغلاس، مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون، في مقابلة مع «بي بي سي»، إن الرئيس محمود عباس طلب مساعدته «لإنقاذنا من أنفسنا»، من خلال موقف إسرائيلي بشأن مشاركة سكان القدس يمكن الاستناد إليه لتأجيل الانتخابات. وبحسب روايته، لم يحدث ذلك.
بل أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، سيلفان شالوم، السماح للسكان بالمشاركة في الانتخابات في أبو ديس والقرى الأخرى.
وفي الوقت نفسه، كانت الإدارة الأمريكية تدفع باتجاه إجراء الانتخابات؛ إذ اعتقد الرئيس جورج بوش الابن أن الديمقراطية ستحدّ من التطرف، وشاركته كونداليزا رايس ومعظم إدارته هذا الرأي. وقد عزّزت اطمئنانهم استطلاعات وتقييمات لمراكز ومؤسسات، من بينها كارنيغي وكارتر، استبعدت فوز حماس.
وفي هذا الإطار، أوفدت الإدارة الأمريكية القنصل العام في القدس، جاك والاس، إلى مقر الرئيس عباس لإبلاغه عزمها على المضي في الانتخابات. كما أرسلت إليوت أبرامز، المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، لمتابعة الاستعدادات.
وامتد الدعم الأمريكي إلى المساعدات المتعلقة بالانتخابات والدعاية الانتخابية، وصولًا إلى إرسال مصمّم المنصة الانتخابية لجورج بوش الابن.
وتبيّن هذه التجربة أن الانتخابات تتأثر بتفاعل الحسابات الداخلية والإرادات الخارجية؛ وهو ما يمنح المطالبات الدولية الراهنة بتجديد الشرعيات وزنا في قراءة فرص إجراء الاستحقاق المقبل.
مفارقات الالتزام بسياسات منظمة التحرير بين 2006 و2026
وخلال التحضير لانتخابات 2006، عمل الرئيس عباس على تهيئة الظروف والتفاهم مع الفصائل بشأن المشاركة.
وكان الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية أحد محاور النقاش، في ظل المطالبات الأمريكية والإسرائيلية بهذا الشأن، بينما اتجهت رغبة الرئيس إلى مشاركة معظم الفصائل وفق تفاهمات القاهرة عام 2005.
وقد ضمّ اجتماع القاهرة، في مارس 2005، اثني عشر فصيلًا، واتفق المشاركون على إنهاء الانتفاضة الثانية وإعطاء فرصة للمسار السياسي الذي يقوده الرئيس عباس، مقابل إجراء إصلاحات وتنظيم الانتخابات.
وتكشف هذه التجربة أهمية التفاهمات السياسية في تهيئة الطريق إلى صناديق الاقتراع، كما تبرز الصلة بين توسيع المشاركة والإصلاح وتجديد المؤسسات؛ وهي قضايا تعود اليوم إلى صدارة المشهد الفلسطيني.
انتخابات 2021
أما انتخابات 2021، فقد أُعلن إلغاؤها رسميا بسبب منع إسرائيل مشاركة سكان القدس المحتلة.
وفي المقابل، رأى بعض الفصائل والكتّاب أن القرار ارتبط بحسابات سياسية داخلية وتحفظات على النتائج المحتملة.
ومع حضور تلك التجربة في الذاكرة السياسية، فإن تقييم استحقاق 2026 يحتاج إلى قراءة ظروفه الخاصة؛ فتراكم الحاجة إلى تجديد الشرعيات، وتغيّر البيئة السياسية، وتقدّم الترتيبات الانتخابية، عوامل تمنحه مسارا يستحق التقييم بذاته.
الخلاصة
بقي على الانتخابات أقل من سبعين يوما، ويأتي هذا الاستحقاق في ظروف تختلف عن سابقاته، وتمنح المضي فيه دوافع متزايدة، أبرزها:
أولا
تداعيات حرب غزة وأثرها العميق في المجتمع الفلسطيني، وما أحدثته من تغيّرات في الخريطة الانتخابية وقواعد تأييد القوى السياسية؛ وهو ما يزيد الحاجة إلى مؤسسات تعبّر عن الواقع الجديد وتستجيب لأولوياته.
ثانيا
النظام النسبي الجديد وخفض نسبة الحسم إلى أدنى مستوى، بما يحدّ من فرص انفراد قوة واحدة بالأغلبية، ويوسّع التمثيل، ويفتح المجال أمام التحالفات والشراكات السياسية.
ثالثا
المطالبات الدولية بتجديد الشرعيات وترتيب النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بنائه، بما يوفّر بيئة داعمة للإصلاح وإجراء الانتخابات.
رابعا
تضمين المطالب الأمريكية في الترتيبات المطروحة، واتساع فرص الرئيس في بناء التحالفات، كما أظهرت السنوات الأخيرة، إلى جانب الضمانات المرتبطة بالمجلس الوطني؛ وهي عناصر تمنحه مساحة أوسع لإدارة المرحلة.
خامسا
عدم تزامن الاستحقاقات، مع الإعلان عن الانتخابات الرئاسية في عام 2027، بما يتيح التدرّج في تجديد المؤسسات وإدارة تبعات كل مرحلة. وتبقى نتائج الاقتراع ومواقف القوى السياسية مفتوحة على الاحتمالات، كما هو شأن أي عملية انتخابية.
سادسا
ارتفاع الكلفة السياسية لتكرار الإلغاء، ولا سيما إذا امتدّ التعطيل؛ وهو ما يجعل إجراء الانتخابات فرصة لتعزيز الشرعية واستعادة الثقة وفتح أفق سياسي أوسع.
وبجمع هذه المعطيات، تبدو انتخابات نوفمبر 2026 استحقاقًا تتلاقى عنده الحاجة الداخلية، والمطالبات الدولية، والترتيبات العملية.
ومع اقتراب الموعد وتقدّم الاستعدادات تصبح الحاجة ملحة لمرحلة جديدة.