تمر الشعوب في أوقات الحروب والأزمات بمرحلة تصبح فيها الكلمة جزءًا من معركة لا تقل أهمية عن الميدان. فالكلمات قد ترفع المعنويات أو تهدمها، وقد تعزز التماسك أو تعمق الانقسام، وقد تخدم القضية أو تقدم للخصم مادة مجانية يوظفها في حربه السياسية والإعلامية. لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على صحة المعلومة، بل امتد ليشمل أثرها، وسياقها، وتوقيت طرحها، والغاية التي تخدمها.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يقتصر دور الإعلامي والمحلل والسياسي على قول ما يراه صحيحًا، أم أن مسؤوليته تمتد أيضًا إلى تقدير أثر خطابه في تماسك المجتمع، وقدرته على الصمود، وحماية المصلحة الوطنية في لحظات الأزمات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تعني تقييد حرية الرأي أو مصادرة حق النقد، وإنما تستدعي التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في الخطاب العام، هما النقد والجلد الذاتي.
فالنقد هو تشخيص مواطن الخلل بقصد الإصلاح، مع الحفاظ على الثقة بإمكان التغيير، وتقديم بدائل تساعد على تجاوز الأخطاء. أما الجلد الذاتي، فهو خطاب يتجاوز تقويم الأخطاء إلى تعميم الفشل، ونفي الإنجازات، وتجريد المجتمع من قدرته على الفعل، بما يؤدي إلى إضعاف المعنويات، وتغذية رواية الخصم أكثر مما يخدم عملية المراجعة والإصلاح.
ومن الملاحظ في الحالة الفلسطينية اتساع مساحة النقد العلني إلى درجة تجاوزت، في بعض الأحيان، حدود المراجعة الموضوعية، لتتحول إلى خطاب يطال الشعب والفصائل والمؤسسات والرموز الوطنية بصورة شاملة. والأخطر أن جزءًا من هذا الخطاب يُقدَّم عبر منصات مفتوحة يتابعها الخصم قبل الصديق، فيتحول إلى مادة يستثمرها في حملاته السياسية والإعلامية، أو يوظفها لتأكيد روايته أمام الرأي العام الدولي.
ولا يعني ذلك أن كل نقد علني يضعف الجبهة الداخلية، فالتجارب السياسية تثبت أن النقد المسؤول قد يسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات عندما يكون موضوعيًا، ومحددًا، ويستهدف الإصلاح. لكن الضرر ينشأ عندما يتحول النقد إلى تعميم، أو تخوين، أو نفي لكل إنجاز، أو بث لحالة من اليأس الجماعي، فتغدو كلفته الوطنية أكبر من قيمته الإصلاحية.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور المحلل السياسي على نقل الوقائع أو تفسير الأحداث، بل يمتد إلى إدراك الأثر الذي يتركه خطابه في الوعي العام. فالمحلل ليس مجرد مراقب، بل فاعل يساهم في تشكيل الإدراك الجمعي، وتعزيز الثقة أو إضعافها. ولذلك فإن مسؤوليته لا تتوقف عند دقة التحليل، وإنما تشمل تقدير انعكاسات ما يطرحه على المجتمع، وعلى وحدة الصف، وعلى قدرة الناس على الصمود. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال ينبغي أن يُقال في كل وقت وعلى كل منصة.
أما السياسي، فمسؤوليته تختلف بحكم موقعه وتأثيره المباشر في القرار العام. فهو مطالب بالموازنة بين المصارحة والحفاظ على المصلحة الوطنية، وبين إدارة الخلافات السياسية ومنع تحولها إلى صراعات إعلامية تستنزف الجميع. والخلاف بين القوى السياسية أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن تحويله إلى معارك مفتوحة أمام الرأي العام، خصوصًا في أوقات الصراع، قد يضعف الموقف الوطني أكثر مما يخدم أي طرف.
وبالمثل، فإن مسؤولية الإعلامي لا تقتصر على نقل الخلافات أو ملاحقة الإثارة، وإنما تتمثل في إدارة النقاش العام بمهنية، والتمييز بين ما يحقق حق الجمهور في المعرفة، وما يتحول إلى خدمة مجانية للخصم. فالإعلام المهني لا يخفي الحقائق، لكنه يدرك أن طريقة عرضها، وسياقها، وتوقيتها، عناصر لا تقل أهمية عن الحقيقة ذاتها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين دوائر الخطاب المختلفة. فهناك قضايا يناسبها النقاش داخل الأطر التنظيمية والمؤسسات الوطنية، وأخرى يمكن تداولها في اللقاءات المغلقة، وثالثة تُطرح أمام الجمهور العام. وهذا التدرج لا يمثل تقييدًا للرأي، بل يعد من أدوات الإدارة الرشيدة للأزمات، لأن القضايا التي تمس الأمن الوطني، أو الثقة المجتمعية، أو وحدة الصف، تحتاج إلى إدارة مسؤولة، لا إلى تداول عشوائي في الفضاء المفتوح.
وعند مقارنة الحالة الفلسطينية بالتجربة الإسرائيلية، لا يكمن الفارق في وجود النقد أو غيابه، فالمجتمع الإسرائيلي يشهد بدوره خلافات حادة، وتسريبات، وصدامات بين المستويين السياسي والعسكري، خصوصًا في أوقات الحرب. غير أن إسرائيل تمتلك منظومة مؤسساتية، تشمل الرقابة العسكرية وآليات إدارة الاتصال الرسمي، تحد من نشر بعض المعلومات ذات الحساسية الأمنية، وتساعد على الفصل بين الخلاف الداخلي المشروع وبين الرسائل الموجهة إلى الخارج. أما في الحالة الفلسطينية، فإن غياب مرجعية إعلامية وطنية جامعة يجعل هذا الفصل أكثر هشاشة، فتنتقل خلافات الداخل بسهولة إلى المجال العام، حيث تصبح مادة تستثمرها الدعاية الإسرائيلية في معركتها السياسية والإعلامية.
إن إدارة الخطاب الإعلامي في أوقات الصراع تفرض معادلة دقيقة تجمع بين الصدق والمسؤولية، وبين الشفافية والحكمة، وبين حق الجمهور في المعرفة وحق المجتمع في الحفاظ على تماسكه. فلا يجوز أن يتحول الإعلام إلى أداة للدعاية الفارغة، كما لا يجوز أن يصبح منصة لهدم الثقة الوطنية أو تعميق الانقسام.
إن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء النقد، وإنما إلى ترشيده، وليس إلى إخفاء الأخطاء، وإنما إلى معالجتها في الأطر المناسبة، وليس إلى صناعة صورة مثالية زائفة، وإنما إلى بناء خطاب وطني مسؤول يدرك أن الكلمة قد تكون رصاصة، وقد تكون جسرًا يعبر بالمجتمع نحو مزيد من القوة والتماسك.
فالمجتمعات التي تخوض صراعات وجودية لا تنتصر لأنها تخفي أخطاءها، ولا لأنها تكشفها بلا ضابط، وإنما لأنها تمتلك القدرة على إدارة الحقيقة بمسؤولية. فالكلمة في زمن الأزمات ليست مجرد تعبير عن الرأي، بل جزء من إدارة الصراع، ولذلك فإن معيارها لا يقتصر على صدقها، بل يشمل أثرها، وتوقيتها، وسياقها، والغاية الوطنية التي تخدمها. وهنا يكمن الفارق بين النقد الذي يبني، والجلد الذاتي الذي يهدم.