السلطة في عيون الأحزاب
20 Jun 2026

لو تتبعنا برامج الأحزاب السياسية سنجد أن مما فيها، العمل على تغيير الواقع من خلال تولي السلطة لما في ذلك من أثر كبير في تحقيق أهدافها، وهذا يمكن اعتباره من باب التنافس الإيجابي بين الأحزاب كما هو التنافس بين البشر، فمن طبيعة الانسان الدخول في تنافس مع أخيه الانسان، وهذا أمر مشروع طالما أن التنافس هو لإثبات حق أو نفي باطل، ويكون مُنطلقاً من هدفٍ مشروعٍ وتصحبه وسيلة مشروعة، وهكذا التنافس بين الاحزاب طالما أنه يسير في سياق ما هو متعارف عليه في المجتمع.

فالحزب السياسي وفق علم الاجتماع السياسي كما عرفه المفكر العربي المعاصر "برهان غليون"1945: بأنه مؤسسة ضرورية لتمثيل المصالح الاجتماعية وتنظيم المشاركة السياسية ومنع احتكار السلطة من قبل فئة واحدة، والسلطة كما عرفها المفكر الألماني (هانز مورغنثاو) 1904-1980 هي علاقة نفسية بين من يمارسون السلطة، ومن تمارس عليهم السلطة، وهي تعطي للحاكمين حق مراقبة أفعال المحكومين، من خلال التأثيرات التي تباشرها على عقول وأفكار المحكومين

نلاحظ من التعريفين السابقين للحزب وللسلطة ان من وظائف الحزب الاساسية، هي إدارة الدولة حين يحكمها، ومنع الحزب الحاكم من احتكار السلطة، وان من وظائف الدولة هي المراقبة و التأثير ، وخدمة المواطنين في كافة المجالات، وهنا مربط الفرس وطرح السؤال المهم، هل يمكن اعتبار السلطة عند الحزب غاية أم وسيلة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الغوص في ماهية الأحزاب، تختلف الإجابة باختلاف الزمان والمكان، ففي الدول التي تعيش حالة استقرار يمكن القول بأن الحزب ينظر للسلطة على أنها وسيلة؛ لأن الأحزاب المعارضة والحزب الحاكم يحتكمان للقانون الرسمي للدولة، وانهما كليهما يعملان تحت مظلته وخدمة له وللمواطن، والدليل على ذلك أن دولا غربية تجري انتخابات بشكل مستمر وسلس، وهذا الفهم لطبيعة السلطة والأحزاب والعلاقة بينهما لم يأت من فراغ ، بل بعد معارك طاحنة دارت رحاها في أوربا في عصور خلت، ظهرت على إثرها نظريات سياسية وفلسفية طالبت بأن يكون للجميع الحق في الحصول على السلطة وفق القانون من خلال نظم وانتخابات تسير أمام اعين القانون وبرضاه، فيصفق الجمهور للحزب الفائز ويبتسم الخاسر ويتبادلان المواقع.

أما في دول التي تعاني من هشاشة في الاستقرار ومنها دول عربية، فللأسف الحال يختلف، فكثير من أحزاب المعارضة تنظر للسلطة على أنها غاية، فتراها تسعى لها بكل قوة، وهذا ليس تجنيا،، فقلما يصل الحزب المعارض للسلطة من خلال الإنتخابات ، وكثيرها وصل للسلطة من خلال الانقلابات 

ولو أردنا التأكيد على ما نقول بأن أغلب أحزاب المعارضة في الدول ضعيفة الاستقرار تعتبر الوصول للسلطة غاية وليس وسيلة فيمكن القول، ما أن يصل الحزب المعارض للسلطة حتى يشرع بتغيير كثير مما كان قبله من معالم، ويبدأ ببناء معالم جديدة خاصة به ،فلا يكمل ما كان سابقاً من إنجازات كما باقي الدول، بل ربما يهدم ، ثم إن أغلب الدول العربية لم تجر انتخابات نزيهة ومستمرة من نصف قرن خاصة الدول ذات النظام الوراثي الذي يستمد شرعيته من الملكية الوراثية، كما أن السلطة تمنع مبدأ تعدد الأحزاب، بل وتشيطنها في عقول الجماهير حتى لا تسحب هذه الأحزاب البساط من تحت أقدام النظام .

وكي لا نكون قساة في الحكم فإن تغير الكثير من الأحزاب المعارضة حين تصل للحكم يكون بحكم تغير مسؤولياتها وواحباتها المطلوبة منها تجاه المجتمع، فالسلطة هي مختبر نوايا الحزب حين يمسك مقاليد الحكم. كما أن المشكلة ليست في فلسفة الحزب المعارض، بل قد يكون في بنية النظام داخل المجتمع بكل تفاصيله.

إجمالاً، يمكن القول بأن العلاقة بين السلطة والحزب الحاكم يجب أن تتعدى علاقة الشك و الريبة ، فلا ينظر كل طرف للآخر على أنه العدو الذي يتربص وينتظر ويسعى لإسقاطه عن سدة الحكم حتى يدير العباد والبلاد بما يشاء من نظم وقوانين، وينسى ما كان يدعو له من تداول سليم للسلطة قبل وصوله لها.

فهل سنرى التنافس المحمود ذات يوم ذلك في علاقة الأحزاب بالنظام الحاكم في العالم العربي ؟ من يعش يرو البقية

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
ما بعد حرب طهران وواشنطن: وأين دُفنت غزة في كواليس الصفقة؟
17 Jun 2026
director
المقال السياسي| المقال القانوني
الأسيرالشهيد عماد سرحان ضحية جديدة ومقصودة لسياسة "الإعدام البطيئ"!
15 Jun 2026
director
المقال السياسي
الاحتلال الإسرائيلي..حين يعدم الضمير
14 Jun 2026
director
المقال السياسي
بين مأساة غزة ومعرفة الخصم هل تُدان الفكرة بمجرد قسوة المآل؟
13 Jun 2026
director
المقال السياسي
كسر الصمت من قلب الإمبراطورية: هل تفعلها جماهير كأس العالم 2026 انتصارًا لغزة؟
13 Jun 2026
director
المقال السياسي
إعادة إنتاج معادلة "وحدة الساحات": أين تقف غزة من التوازنات الإقليمية الناشئة؟
12 Jun 2026
director
المقال السياسي
إستغناء الاحتلال الإسرائيلي عن العمالة الفلسطينية ضريبة باهظة!
11 Jun 2026
director
المقال السياسي
ترويض البندقية لا إنهاء الحرب
10 Jun 2026
director
المقال السياسي
"طوفان الأقصى" متواصلة والمفاجآت قادمة!
09 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة من العمق الاستراتيجي إلى الإنقاذ الوطني
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة.. حين تصبح الطفولة ضحية إبادة اسرائيلية ممنهجة
08 Jun 2026
director
المقال السياسي
غزة ما بين مجاعة وعطش!!
07 Jun 2026
director
المقال السياسي
قانون الهيمنة في النظام الدولي والمعرفة المقاوِمة
03 Jun 2026
director
المقال السياسي
من ديان بيان فو إلى “طوفان الأقصى”: التحول التاريخي المعلّق وضرورة الجبهة الوطنية الموحدة في إدارة الصراع الفلسطيني
31 May 2026
director
المقال السياسي
انهيار النظام الصحي في غزة جريمة إسرائيلية
28 May 2026