تنطلق بطولة كأس العالم FIFA 2026 هذا العام لتضع شعوب الأرض وجهاً لوجه أمام حقيقة لا يمكن المراوغة فيها؛ فالحدث الذي يُفترض أن يكون احتفالاً بالخرائط المتنوعة والهويات المتعددة، يُقام اليوم في قلب الولايات المتحدة الأمريكية؛ القوة التي لطالما مثلت لعقود طويلة غطاءً وحصناً لآلة الحرب، والشريك الأول والأبرز في صناعة المظلومية الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. إن هذه البطولة لم تعد مجرد منافسة رياضية تبحث عن بطل على العشب الأخضر، بل تحولت بفعل التوقيت والوضع الراهن إلى مواجهة حتمية بين وهج الإنسانية الحرة وظلمات السياسة الاستعمارية المدعومة أمريكياً وصهيونياً.
لقد أرادت الإدارة الأمريكية من استضافة هذا المونديال أن يكون منصة لتلميع صورتها وتقديم نفسها كراعٍ للسلام والترفيه العالمي، لكن الحقيقة التاريخية تفرض نفسها اليوم: يجب أن تندم واشنطن على هذه الاستضافة، وأن تدرك أن فتح أبوابها للجماهير العالمية يعني فتح النوافذ لرياح الحقيقة التي حاولت طويلاً كتمانها عبر ترسانتها الإعلامية والسياسية.
ينبغي للرسالة الإنسانية الراقية لكرة القدم -باعتبارها لغة الشعوب لا الأنظمة- أن تتحول داخل الملاعب الأمريكية إلى صرخة مدوية تقض مضاجع صناع القرار في البيت الأبيض؛ الذين أمطروا غزة بالذخائر ومنعوا عنها -ولا يزالون- مقومات الحياة.
هنا يأتي الدور التاريخي والواجب الأخلاقي المُلقى على عاتق الجاليات العربية والإسلامية، وكل الأحرار من مختلف الجنسيات المتواجدين على الأراضي الأمريكية. إنها اللحظة التي تتطلب تنسيقاً واسعاً وجهداً غير مسبوق بين السفارات الدولية الحرة، والجمعيات والهيئات المتضامنة، والمشاهير، والشخصيات المؤثرة الذين يملكون صوتاً قادراً على النفاذ.
ينبغي على كل من له سهم في الوصول إلى تلك المدرجات والميادين المحيطة بها، أن يحمل اليوم أمانة نقل صوت المشردين والشهداء والمحاصرين في قطاع غزة، ليصبح المونديال أكبر مؤتمر عالمي شعبي مفتوح لرفض الإبادة الجماعية ومحاسبة الاحتلال الإسرائيلي.
إننا اليوم أمام حقيقة مأساوية؛ فالمجالس الدولية والمنظمات الأممية لم تعد قادرة على لجم غطرسة الاحتلال؛ فرغم القرارات التاريخية الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو وقادة منظومته الأمنية، إلا أن المنظومة العالمية والقوى الكبرى الفاشلة آثرت التعامي والتواطؤ لحمايتهم من العقاب. لذا، فإن الجماهير في مدرجات مونديال 2026 يجب أن تتولى بنفسها إنفاذ القانون الأخلاقي الذي فشلت الأنظمة السياسية في بلدانها بإنفاذه؛ ينبغي أن تتحول المدرجات إلى ساحة محاكمة علنية يراها المليارات حول العالم عبر شاشات التلفاز، لتؤكد أن دماء الأبرياء ليست للمساومة، وأن سلطة الشعوب أقوى من "فيتو" الطغاة.
إن السلاح الأبرز في هذه المعركة البصرية هو "علم فلسطين"؛ ذلك الرمز الذي حاول الاحتلال وداعموه طمسه طويلاً، لكنه بات اليوم -وبفعل الضغط الشعبي العالمي الهائل على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)- مسموحاً برفعه رسمياً داخل المدرجات والملاعب. هذا القرار لم يكن منةً من أحد، بل انتصار صاغته حشود الأحرار في الساحات العالمية، ولا بدَّ من استغلاله بشكل مكثف وكاسح في كل مباراة، وفي كل دقيقة، لتتشح الملاعب الأمريكية بالألوان الأربعة، ولتتحول عدسات الكاميرات العالمية مرغمةً إلى توثيق هذا الحضور الطاغي للقضية الفلسطينية من داخل الملاعب التي ترعاها الشركات والمنظومة الرأسمالية الأمريكية.
أيها الأحرار: ليرسم التاريخ بمداد من نور، أن بطولة كأس العالم لعام 2026 كانت المحطة الفاصلة التي قُلبت فيها الدنيا رأساً على عقب، ليس من الخارج، بل من داخل "البيت الأمريكي" نفسه؛ الداعم الأول والعمود الفقري للكيان الصهيوني. ولتشهد الملاعب في نيويورك، ولوس أنجلوس، وميامي، وباقي المدن المستضيفة، كيف يمكن للرياضة أن تخلع ثوب الحياد المزيف لتنتصر للضحية ضد الجلاد. إنها الفرصة التاريخية ليرى المواطن الأمريكي، والعالم أجمع، أن القضية الفلسطينية ليست أزمة عابرة في قارة بعيدة، بل هي جرح إنساني نازف يطالب بالعدالة، وأن دماء غزة ستلاحق كل من صمت أو شارك أو دعم، ولتتحول البطولة من احتفال كروي إلى زلزال سياسي وشعبي يهز أركان الظلم من المنبع.