شكّلت معادلة "وحدة الساحات" مرتكزاً أساسياً في أدبيات محور المقاومة، ومع إندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023م، سارع حزب الله في لبنان إلى محاولة ترسيخ هذه المعادلة ميدانياً عبر ما عُرف بـ"حرب الإسناد"، وبادرت اليمن بتوجيه عدة ضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية وهددت الملاحة البحرية للسفن المرتبطة بإسرائيل.
عملت إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة لنسف هذه المعادلة من خلال الإستمرار في حرب الإبادة على غزة وشن عدوان على لبنان لتحويل حزب الله من جبهة إسناد إلى مربع صد العدوان الصهيوني والدفاع عن الساحة الداخلية.
أعاد استهداف إيران واليمن لإسرائيل ردّا على استهداف الأخيرة للضاحية الجنوبية لبيروت مفهوم وحدة الساحات إلى الواجهة وتحاول إيران اليوم إعادة إنتاج وترسيخ المعادلة؛ ولكن وفق قواعد إشتباك وأدوات جديدة، مستغلة فشل العدوان (الأمريكية – الإسرائيلية) في حسم المعركة، وعجزهما عن تحقيق أهداف العدوان، وقدرة إيران على تثبيت معادلة ردع من خلال قدراتها الصاروخية الكبيرة، بالإضافة لكسر الهيمنة البحرية الأمريكية بإغلاق مضيق هرمز.
تعد "حرب المضائق" واحدة من أبرز ملامح وتجليات المعادلات الجديدة التي تعيد صياغة شكل الصراع الاقليمي والدولي، وتحاول إيران استخدامه في إعادة إنتاج معادلة وحدة الساحات وهو ما تُرجم فعلياً في الميدان البحري عبر إغلاق مضيق هرمز والتلويح باستخدام مضيق باب المندب من خلال جبهة اليمن وقد عبّر عن هذه الإستراتيجية بوضوح قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قآني، في تصريح بارز أشار فيه إلى أبعاد هذه المواجهة قائلاً:"إن التحرك والتدخل العسكري من الساحة اليمنية يدل على حكمة وذكاء جبهة المقاومة، وسيتم إنشاء حزام أمني جديد للمقاومة يمتد ويربط من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن، ومن مياه الخليج إلى البحر الأحمر، وستنضم فصائل أخرى إلى هذه المعادلة إذا اقتضى الأمر".
ومن خلال هذا المتغير، يأخذ مفهوم "وحدة الساحات" الذي تحاول إيران إعادة إنتاجه بعداً أوسع يتجاوز الجغرافيا التقليدية؛ لتفرض إيران معادلة إقليمية ودولية تشتبك فيها مع خطوط الملاحة ومصالح الطاقة العالمية، مستهدفة بذلك فرض نفسها كلاعب إقليمي مركزي ورقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية في المنطقة.
إن نمو وتمدد هذه المعادلة الإقليمية الجديدة يشكل رافعة سياسية وميدانية غير مباشرة للمقاومة في غزة إلا أن حبال العلاقات الدولية المرهونة بموازين القوى الدقيقة، والمصالح المتبادلة والمعقدة بين الفواعل الإقليمية والدولية، لن تسمح للقطاع المنهك أن يكون في قلب هذه المعادلة، ومع ذلك، فإن نجاح إيران في ترسيخ هذه القواعد سيخلق "بيئة إقليمية مساندة".
وتأتي المكالمة الهاتفية لوزير الخارجية الإيراني مع رئيس وفد حماس للمفاوضات خليل الحية، لتعكس الرغبة الإيرانية في إبقاء خطوط الإتصال مفتوحة والتأكيد على أن غزة تظل حاضرة في الحسابات السياسية للمحور، وإن اختلفت الأدوار الإستراتيجية.
إن استنزاف إسرائيل المستمر على جبهتي لبنان وإيران، وإجبارها على تركيز جل ثقلها العسكري والأمني والإستخباري لمواجهة هذه المعادلة متعددة الأطراف، من شأنه أن يدفع الاحتلال نحو إعادة حساباته مرغماً، وتشتيت جهوده الحربية، مما قد يخفف الضغط العسكري المباشر على قطاع غزة ويدعم المفاوض الفلسطيني في مواجهة التعنت الإسرائيلي.