حين يغيب الرصاص وتصمت المدافع لبرهة، تظن الدنيا أن الحرب قد وضعت أوزارها، لكن في غزة المكلومة، تتكشف فصول حربٍ أخرى لا تقل ضراوة عن لهيب القذائف وشظايا الصواريخ؛ هي حربٌ صامتة تُدار خلف الستار بأمعاء الأطفال الخاوية وعيون الأمهات الذابلات. فبعد مرور أكثر من 30 شهراً على العدوان الإجرامي الإسرائيلي، لم يكن "اتفاق وقف إطلاق النار" في أكتوبر 2025 بوابةً للفرج، بل تحول إلى فخٍّ من نوع آخر، حيث بات القطاع يتأرجح ما بين مجاعة تنهش الأجساد الغضة، وعطشٍ ييبس الشفاه، ضمن ما يمكن تسميته "بمخطط هندسة التجويع".
إن ما يشهده قطاع غزة اليوم ليس مجرد نقص في لقمة العيش، بل هو تدهور غير مسبوق في الوضع الإنساني يهدد بإبادة جيل بأكمله؛ فالأرقام الصادمة التي وثقها "مركز غزة لحقوق الإنسان" تتجاوز حدود الوصف والخيال، فخلال عام 2026، يواجه أكثر من 71,000 طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد. ومن بين هذا الجيش من الأجساد النحيلة، هناك 13,000 طفل يعيشون في حالة "شديدة الخطورة"، ويحتاجون إلى تدخل علاجي مكثف وفوري لتجنب الموت المحقق أو الإصابة بعاهات صحية مستديمة.
هذه المأساة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج حصار خانق تفرضه القوة القائمة بالاحتلال. ووفقاً لبيانات "منظمة الصحة العالمية"، فإن أكثر من 100 ألف طفل، إضافة إلى نحو 37 ألف امرأة حامل ومرضع، معرضون بشكل مباشر لسوء التغذية الحاد، حيث بلغت نسبة الإصابة العامة بين الأطفال الذين خضعوا للفحص 13.5%، وقفزت في بعض المناطق الأكثر إنهاكاً إلى 19%. هي إذًا أرقام تصرخ في وجه عالم يدّعي الإنسانية ويمارس الصمت.
والسبب وراء هذه الكارثة ليس شحاً في الكرم الدولي، بل هي اليد الإسرائيلية التي تخنق المعابر وتتحكم برهانات البقاء؛ فأحدث تقارير "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)" أظهرت تراجعاً حاداً في تدفق المساعدات بنسبة بلغت 37%؛ إذ انخفضت الكميات من 167,600 طن متري في الفترات الأولى إلى أقل من 105,000 طن متري بين يناير وأبريل من عام 2026.
تلك القيود اللوجستية، والأعطال التقنية المتعمدة في أجهزة الفحص، وإعادة الشاحنات، جعلت ما يدخل القطاع لا يتجاوز 38% من الاحتياج الفعلي من الشاحنات الإنسانية، بينما لا تتجاوز شاحنات الوقود نسبة 15%. وحتى على صعيد الالتزام اليومي، يؤكد مكتب "أوتشا" أن الاحتلال يسمح بدخول أقل من 200 شاحنة يومياً من أصل 600 شاحنة متفق عليها، وسط إغلاق متكرر وتأخيرات بيروقراطية مستمرة. وفي السياق ذاته، رصدت المنظمات الدولية أنه في النصف الأول من مايو، دخلت 2,719 شاحنة فقط من أصل 10,800 شاحنة متوقعة، أي بنسبة التزام هبطت إلى 25%، مع حصر العمل في معبري "كرم أبو سالم" و"زيكيم" بشكل محدود وغير مستقر.
المشكلة لم تعد مقتصرة على الكم، بل امتدت لتطال "النوعية"؛ فالاحتلال يمنع عمداً دخول أصناف حيوية تمس عصب الحياة كحليب الأطفال، والفيتامينات، والمكملات الغذائية، مما يحرم الصغار من التنوع الغذائي الضروري للنمو. ولم تتوقف "هندسة التجويع" عند حدود الاحتلال، بل تشابكت مع تراجع دور المؤسسات الدولية؛ حيث قام "المطبخ العالمي" بتقليص عدد العاملين لديه والاستغناء عن 300 موظف من أصل 700، مما أثر سلباً على كميات الطبخ في مطابخه المركزية وزاد الطين بلة.
النتائج المترتبة على هذه السياسات وضعت قطاع غزة في صدارة المناطق الأكثر جوعاً في العالم؛ إذ تشير تقديرات "برنامج الأغذية العالمي" إلى أن 1.6 مليون شخص (ما يعادل 77% من السكان) يعانون حالياً من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
هذا الجوع لا يأتي فرداً، بل يتزامن مع انهيار شامل في الخدمات الأساسية؛ فانقطاع المياه الصالحة للشرب، وتدمير شبكات الصرف الصحي، ونقص الوقود اللازم للمستشفيات لتشغيل وحدات العلاج المتخصصة، جعل أجساد الأطفال الضعيفة مرتعاً للأوبئة والأمراض المتداخلة، وهو ما يرفع احتمالات الوفاة لأسباب كان يمكن تفاديها ببضع قطرات من الماء النظيف أو جرعة دواء.
إن حرمان أطفال غزة من الغذاء والماء ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو انتهاك صارخ وممنهج لحقهم في الحياة والصحة، ويشكل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني؛ فاستخدام التجويع كوسيلة ضغط سياسي يضع المجتمع الدولي بأسره أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية.
من قلب هذه المعاناة، المطلوب هو الرفع الفوري والكامل وغير المشروط لجميع القيود المفروضة على دخول المواد الغذائية والعلاجية والوقود عبر المعابر كافة، وفتح تحقيق مستقل في سياسات الإمداد الغذائي التي تُمارس كأداة قتل بطيء ضد المدنيين، وهذا لن يحدث إلا بضغط حقيقي من الوسطاء الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، وهو ضغط لن يكون حقيقياً وذا أثرٍ إلا في حال نجح بكبح جماح الاحتلال الإسرائيلي وإيقافه عند حده.
إن إنقاذ جيل غزة القادم من عواقب صحية وجسدية ستمتد لسنوات، لا يتطلب بيانات قلق واستنكار، بل يتطلب قراراً شجاعاً يكسر الحصار ويسد رمق الجياع قبل فوات الأوان.