منذ أن وطأ الاحتلال أرض فلسطين قبل أكثر من مئة عام، لم يكن الفلسطيني يملك فائض القوة ولا رفاهية الإمبراطوريات التي تصنع التاريخ من فوق الخرائط والطاولات الدولية، بل امتلك شيئًا أكثر خطورة وأشد حضورًا، امتلك القدرة على تحويل دمه إلى رواية حيّة لا تموت.
في المقابل، امتلك الاحتلال كل أدوات القوة الحديثة، السلاح، والدعم الدولي، والإعلام العالمي، والمؤسسات السياسية والثقافية التي حاولت إعادة تعريف الصراع بحيث يصبح المستعمِر مشروع دولة، بينما تتحول الضحية إلى “مشكلة أمنية” تحتاج إلى إدارة وضبط وعقاب.
لكن المأزق الذي لازم المشروع الصهيوني منذ بدايته أن الفلسطيني لم يختفِ رغم كل محاولات الطمس.
لم يتحول إلى تفصيل هامشي في كتب السياسة، ولم يذُب داخل خرائط التسويات، لأن الدم الفلسطيني كان في كل مرحلة يعيد إنتاج الحكاية من جديد، وكأن الشهداء لم يكونوا فقط ضريبة مواجهة، بل حراسًا للمعنى والذاكرة والحق التاريخي.
من دير ياسين إلى كفر قاسم، ومن انتفاضة الحجارة إلى مخيم جنين، ومن صبرا وشاتيلا إلى غزة التي تحولت إلى مختبر مفتوح للموت الجماعي، لم يكن الدم مجرد مأساة إنسانية تُبث على الشاشات، بل كان وثيقة اتهام أخلاقية وسياسية كشفت هشاشة السردية الإسرائيلية أمام العالم.
ولهذا لم يكن الصراع يومًا على الجغرافيا فقط، بل على الوعي، وعلى تعريف من هو الضحية ومن هو الجلاد، ومن يملك الحق في رواية التاريخ.
لقد أدرك الاحتلال مبكرًا أن أخطر ما يملكه الفلسطيني ليس البندقية وحدها، بل قدرته على تحويل الألم إلى معنى، والشهادة إلى وعي جمعي، والخراب إلى ذاكرة مقاومة تنتقل من جيل إلى آخر.
فالقضايا لا تبقى حيّة فقط بقرارات الأمم المتحدة، بل تبقى حين يتحول أصحابها إلى حالة أخلاقية عصية على الإلغاء.
وفي مقابل هذا الدم، نشأت داخل المجال السياسي والثقافي العربي والفلسطيني حالة طويلة من التردد والخوف أعادت إنتاج خطاب كامل يقوم على فكرة “سدّ الذرائع”.
لكن هذا المفهوم، الذي وُضع أصلًا لحماية المصالح الكبرى ومنع المفاسد، جرى في كثير من اللحظات توظيفه بصورة معكوسة، حتى تحوّل من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لضبطه سياسيًا ونفسيًا.
قيل للفلسطيني طويلًا:
لا ترفع سقف المواجهة حتى لا تمنح الاحتلال الذريعة،
لا تقاوم حتى لا تخسر التعاطف الدولي،
لا تُظهر غضبك حتى لا تُتّهم بالتطرف،
لا تتمسك برمزك الوطني حتى لا تُعاقَب جماعيًا.
ومع الوقت، بدأت بعض النخب تتعامل مع رد فعل الاحتلال باعتباره معيارًا يحدد للفلسطيني حدود وجوده وسلوكه، وكأن المطلوب من الضحية أن تعيد تشكيل نفسها وفق شروط جلادها حتى تستحق الحياة.
لكن التجربة التاريخية أثبتت شيئًا بالغ القسوة والوضوح، الاحتلال لم يكن يومًا بحاجة إلى ذرائع حقيقية.
فالاستيطان لم ينتظر عملية مقاومة، والحصار لم يتوقف على خطاب سياسي، والقتل لم يرتبط بدرجة “اعتدال” الفلسطيني.
المشروع الاستعماري بطبيعته يصنع ذرائعه بنفسه، ثم يطالب الضحية بأن تكون أكثر تهذيبًا في أثناء ذبحها.
وهنا تظهر أخطر نتائج هذا الخطاب، حين يتحول الخوف من “الذريعة” إلى وعي عام يشلّ الإرادة الوطنية، وعندما يصبح تجنب الكلفة أهم من حماية الحقوق نفسها.
فحركات التحرر لا تُهزم فقط حين تخسر معركة عسكرية، بل تُهزم عندما تقتنع داخليًا أن مجرد دفاعها عن حقها يحتاج إلى موافقة أخلاقية من العالم.
المفارقة الكبرى أن الدم الفلسطيني، الذي حاول كثيرون تصويره باعتباره كلفة عبثية، كان في الحقيقة أحد أهم عناصر بقاء القضية حيّة في الوعي الإنساني.
فالاحتلال نجح في امتلاك أدوات القوة، لكنه فشل في امتلاك الشرعية الأخلاقية الكاملة، لأن صور المجازر والركام والأطفال والشهداء كانت في كل مرة تعيد كسر الرواية التي حاول تسويقها عن نفسه باعتباره “الديمقراطية الوحيدة” أو “الضحية الأبدية”.
ولهذا لم يكن الفلسطيني يخوض معركة بقاء فقط، بل معركة تعريف للإنسانية نفسها، اختبارًا دائمًا لمعنى العدالة، ولمقدار التناقض بين القيم التي يرفعها العالم وبين الواقع الذي يصنعه على الأرض.
كلما ظن العالم أن فلسطين أُنهكت، خرج من تحت الركام جيل جديد يعيد كتابة الحكاية بدمه.
وكلما حاولت القوة أن تُقنع الناس أن الرواية انتهت، كان الشهيد الفلسطيني يعيد فتح الصفحة الأولى من التاريخ.
لهذا تبدو فلسطين اليوم أكثر من مجرد قضية حدود أو نزاع سياسي، إنها معركة سردية كبرى بين قوة تملك أدوات الهيمنة، وشعب يملك القدرة النادرة على تحويل الدم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى استمرار لا ينكسر.