مكة تكتظ بالحجيج.. وغزة تكتظ بالمقابر والخيام
26 May 2026

في كل عام، تتوحد قلوب المسلمين نحو مكة، تمتلئ الساحات بالتكبير، وتفيض الطرقات بالحجيج القادمين من كل فجٍّ عميق، فيما تُرفع أكف الدعاء طلبًا للرحمة والمغفرة والسلام، لكن وعلى بعد آلاف الكيلومترات فقط من تلك المشاهد الروحانية، تقف غزة وحيدةً خارج خرائط الفرح، لا تسمع من العيد سوى أصداء القصف، ولا ترى من مواسم الرحمة سوى طوابير الجوع والخيام والمقابر الجماعية.

للعام الثالث على التوالي، يعيش أكثر من مليوني مسلم في غزة حالة اقتلاعٍ ممنهج من أبسط حقوق الحياة والكرامة والشعائر، لا حجّ لمن استطاع إليه سبيلاً، لأن السبيل نفسه محاصر بالنار والحدود المغلقة، لا عيد لأطفال أنهكتهم المجاعة، ولا فرحة لأمهات يبحثن بين الركام عن بقايا أبنائهن، ولا طمأنينة لعائلات تحوّلت الخيام بالنسبة لها من مأوى مؤقت إلى قدرٍ دائم تحت سماء الحرب.

ما يجري في غزة هو مشروع إبادةٍ متكامل يعيد تشكيل الحياة الفلسطينية على قاعدة التجويع، والترويع، وتحطيم المعنى الإنساني والديني معاً، فحين يُحرم شعبٌ كامل من الطعام والدواء والماء، ثم يُحرم حتى من حقه في العيد والحج والشعائر، فإن الجريمة تتجاوز حدود الحرب إلى محاولة كسر الروح الجماعية للأمة، وتجريد الفلسطيني من حقه في الشعور بأنه جزء من هذا العالم.

الأكثر قسوة أن هذه المأساة أصبحت تُقابل بتكيّفٍ دولي وإقليمي مخيف مع مشاهد الإبادة اليومية، وكأن الدم الفلسطيني أصبح تفصيلاً اعتيادياً في نشرات الأخبار، وكأن غزة خُلقت لتظل خارج مواسم الحياة، وبينما تُضاء مدن العالم احتفالاً بالعيد، تُضاء سماء القطاع بالصواريخ، ويُدفن الناس هناك بلا أكفان أحياناً، وبلا عدالة دائماً.

إن المفارقة الأكثر فداحة ليست فقط في أن مكة تكتظ بالحجيج وغزة تكتظ بالمقابر والخيام، المفارقة في أن الأمة التي تتحدث كل عام عن الوحدة والرحمة والعزة، تقف عاجزة أمام شعبٍ يُباد على الهواء مباشرة، ويُحاصر حتى في حقه بالبكاء والفرح والعبادة.

العيد تحت الإبادة

في كل بقاع الأرض الإسلامية، يُستقبل العيد بالتكبير والزيارات وروائح الطعام الجديدة، أما في غزة، فقد أصبح العيد مجرد تاريخٍ إضافي يُضاف إلى سجل المجازر المفتوحة، لا أحد هناك يسأل عن ثياب الأطفال أو زينة البيوت، لأن السؤال الأكثر إلحاحاً هو من سينجو حتى صباح العيد؟ ومن سيُنتشل من تحت الركام؟ ومن سيجد لقمةً تسد جوع أطفاله في مدينةٍ تُحاصر حتى من الهواء؟

للعام الثالث على التوالي، يأتي العيد على غزة محمولاً بالدخان، وبقوائم الشهداء لا بصلة الأرحام، تحوّلت الشعائر التي يفترض أن تمنح الناس طمأنينة روحية إلى لحظات تختلط فيها التكبيرات بأصوات الطائرات والانفجارات، حتى المساجد التي كانت يوماً ساحات للعيد، أصبحت أهدافاً للقصف أو مراكز إيواء مكتظة بالنازحين.

الاحتلال يدير عملية سحق نفسي ممنهجة، هدفها تحويل الإنسان الفلسطيني إلى كائنٍ منشغل فقط بالبقاء، لذلك أصبح العيد في غزة اختباراً قاسياً لقدرة الناس على الاحتمال، الأطفال الذين كانوا ينتظرون العيدية باتوا ينتظرون دورهم على نقاط الطعام، والأمهات اللواتي كنّ يجهزن ملابس العيد، أصبحن يبحثن عن مكان آمن يقي أبناءهن شظايا القصف.

وحتى الاتفاقات التي جرى الحديث عنها مراراً لوقف العدوان أو تخفيف الكارثة، بقيت رهينة التعطيل والمماطلة السياسية، فيما تستمر آلة القتل في حصد الأرواح بلا توقف، غزة لا تزال تُباد كل لحظة، وكأن العالم منح الاحتلال تفويضاً مفتوحاً لإدارة الموت على مدار الساعة.

الحصار على الشعائر

امتدت الحرب على غزة لتطال المعنى نفسه؛ معنى العبادة، والطمأنينة، والشعور الإنساني بالكرامة، ففي الوقت الذي احتشد فيه ملايين المسلمين في مكة لأداء مناسك الحج، بقي أكثر من مليوني مسلم في غزة محاصرين بين الجوع والنار، محرومين حتى من حقهم الطبيعي في الوصول إلى الشعائر الدينية.

إن حرمان أهل غزة من الحج للعام الثالث على التوالي هو انعكاس لحصارٍ شامل يخنق الإنسان الفلسطيني في تفاصيل حياته كلها، فحين يُمنع شعب بأكمله من السفر، وتُغلق المعابر، وتُقطع الطرق، ويُترك الناس بين الموت والجوع، فإن القضية تتجاوز القيود الأمنية إلى سياسة عقاب جماعي مكتملة الأركان.

الأشد قسوة أن مواسم العبادة نفسها باتت تُستقبل بالمجازر، ففي يوم التروية، اليوم الذي يتجه فيه الحجيج إلى منى ملبّين ومكبّرين، كانت غزة تعيش على إيقاع مجزرة جديدة، خلّفت طفلاً بلا قدم، وأماً غارقة في الدم والذهول، في مشهد يلخص الفارق المرعب بين عالمٍ يطوف حول الكعبة، وآخر يطوف حول المستشفيات والخيام والمقابر.

لقد تحوّل التجويع في غزة إلى سلاح سياسي وعسكري معاً، يُستخدم لكسر إرادتهم وإدخالهم في معركة يومية من أجل البقاء، فيما يُترك المدنيون في مواجهة واحدة من أقسى عمليات الحصار التي عرفها العصر الحديث.

هندسة الموت والاقتلاع داخل الوطن

 تحولت غزة إلى مساحة هائلة من الخيام والركام والمقابر المفتوحة، عشرات آلاف العائلات اقتُلعت من بيوتها قسراً، ودُفعت إلى النزوح المتكرر تحت القصف، حتى بات الفلسطيني يهرب من الموت إلى الموت، ومن خيمة إلى أخرى، دون أي يقين بأنه سيبقى حياً حتى اليوم التالي.

الخيام التي كان يفترض أن تكون حلاً مؤقتاً تحولت إلى واقع دائم يُعاد إنتاجه كل يوم، لا ماء كافياً، لا غذاء، لا خصوصية، لا أمان، فقط بشرٌ متكدسون في ظروف لا تليق بالحياة الإنسانية، فيما تواصل الطائرات قصف كل ما يتحرك، بهذا المعنى، فإن ما يجري هو عملية إعادة تشكيل قسرية للجغرافيا الفلسطينية، تقوم على تدمير البيوت وتحويل المجتمع إلى كتل بشرية هائمة بلا استقرار.

وفي مقابل اتساع مدن الخيام، تتسع أيضاً المقابر الجماعية، أصبح الموت تفصيلاً يومياً متكرراً إلى درجة أن كثيراً من الشهداء يُدفنون على عجل، أو بلا وداع، أو في مقابر جماعية فرضها حجم المجازر واستمرار القصف، حتى الحزن نفسه لم يعد يجد وقته الطبيعي.

إن الاحتلال عبر هذه السياسة يحاول اقتلاع شعوره بالأمان والانتماء والقدرة على الحياة الطبيعية، فحين تُدمَّر البيوت، وتُغلق المدارس، وتُستهدف المستشفيات، ويُدفع الناس إلى العيش في الخيام لسنوات، يصبح الهدف الحقيقي هو تفكيك المجتمع من داخله، وتحويل الحياة الفلسطينية إلى حالة دائمة من الهشاشة والخوف والانتظار.

التطبيع مع الإبادة.. العالم الذي اعتاد مشهد الدم الفلسطيني

الأخطر فيما يحدث في غزة هو اعتياد العالم على المجازر، فالإبادة التي كان يفترض أن تهزّ الضمير الإنساني تحولت مع الوقت، إلى مشهدٍ يومي عابر داخل المنظومة السياسية والإعلامية الدولية؛ تُعرض صور الأطفال الممزقين بين الفواصل الإعلانية، وتُذكر أرقام الشهداء كأنها مؤشرات روتينية لا تستدعي الغضب أو الفعل.

لقد دخل العالم مرحلة يمكن تسميتها بـ "تطبيع الوحشية"، حيث لم تعد المجاعة الجماعية، ولا الخيام الممتدة، ولا المقابر الجماعية، كافية لإحداث صدمة أخلاقية حقيقية، فالنظام الدولي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان، بدا في غزة كمن يدير حيادًا انتقائياً يمنح القاتل الوقت والغطاء واللغة المناسبة لمواصلة الجريمة دون مساءلة فعلية.

حتى الخطاب السياسي العالمي أصبح يتعامل مع الفلسطيني بوصفه أزمة إنسانية تحتاج بعض المساعدات والبيانات القلقة، بينما تُترك البنية العميقة للإبادة تعمل بكفاءة كاملة، وهنا تكمن أخطر صور الخذلان؛ تحويل الجريمة من قضية أخلاقية وسياسية كبرى إلى ملف إغاثي قابل للإدارة والتكيّف.

أما الإعلام الدولي، فقد انخرط في كثير من الأحيان في عملية تخدير بصري ممنهجة، تُكرر صور الدم حتى تفقد قدرتها على إحداث الأثر، وكأن المطلوب استهلاك الجريمة بصرياً حتى الاعتياد، ومع تكرار المجازر، بدأ العالم يتعامل مع القصف والجوع والنزوح باعتبارها تفاصيل مألوفة من المشهد الغزّي، لا باعتبارها كارثة إنسانية مفتوحة تكشف انهيار المنظومة الأخلاقية الدولية.

وعلى المستوى الإقليمي، بدا الصمت أكثر فداحة من العجز نفسه، فغزة التي تُذبح على الهواء مباشرة، تُركت تواجه واحدة من أعنف حروب الاستنزاف الوجودي، بينما اكتفى كثيرون بإدارة الخطابات أو مراقبة الدم من مسافة آمنة، حتى العيد الذي يفترض أن يكون موسم وحدةٍ روحية وإنسانية، مرّ على الأمة كأنه لا توجد بقعة في العالم الإسلامي تُباد وتُجوَّع وتُدفن تحت الخيام.

إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب هو إعادة تعريف حدود المقبول إنسانياً، فحين يصبح قتل آلاف المدنيين، وتجويع شعب كامل، ومنع الدواء والماء والطعام، أمراً قابلًا للتبرير أو التأجيل أو المساومة السياسية، فإن العالم يكون قد دخل مرحلة التآكل الأخلاقي الجماعي، حيث تفقد القيم معناها أمام حسابات القوة والمصلحة.

غزة واختبار الضمير الإنساني

أصبحت الحرب على غزة مشروعاً متكاملاً لهندسة الانكسار، هدفه دفع الفلسطيني إلى حالة استسلام نفسي واجتماعي تجعله فاقداً للقدرة على التمسك بمعنى الوطن والكرامة والبقاء، لذلك استهدفت الحرب كل ما يُبقي الإنسان متماسكاً.. البيت، المدرسة، المسجد، العائلة، الذاكرة، وحتى الطقوس اليومية البسيطة التي تمنح الناس شعورهم بالحياة.

كان الرهان الصهيوني واضحاً، أن يؤدي الجوع المستمر، والنزوح المتكرر، وفقدان الأحبة، وتراكم الصدمات، إلى تفكيك البنية النفسية للمجتمع الفلسطيني، وتحويله إلى مجتمع مرهق يبحث فقط عن النجاة الفردية، لكن ما حدث في غزة كشف فشل هذا الرهان بصورة عميقة.

فعلى الرغم من الإبادة، ما زال الفلسطيني هناك ينتزع من الركام قدرة مذهلة على الاستمرار، الأم التي فقدت أبناءها ما تزال تُطعم من بقي حياً، والطبيب الذي يعمل بلا دواء يواصل إسعاف الجرحى، والأب الذي يعيش في خيمة ما يزال يحاول أن يصنع لأطفاله شيئاً يشبه العيد، ولو بكلمات مطمئنة وسط المجاعة والقصف.

لقد أنتجت غزة، في قلب المأساة، ما يمكن وصفه بـ "وعي الصمود الوجودي"، وهو وعي يقوم على مقاومة محاولات تحويل الإنسان الفلسطيني إلى كائن منكسر أو منزوع المعنى، ولهذا السبب تبدو غزة اليوم أكثر من مجرد ساحة حرب؛ إنها مرآة أخلاقية كبرى تكشف حقيقة العالم كله.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يربك الاحتلال حتى الآن هو أن غزة، رغم كل شيء، لم تفقد سرديتها ولا وعيها بذاتها، فالشعب الذي يعيش بين الخيام والمقابر ما يزال يملك قدرة استثنائية على إنتاج المعنى، وتحويل الألم إلى شهادة على الجريمة لا إلى إعلان هزيمة، ولهذا تحديداً تبقى غزة اليوم اختباراً مفتوحاً للضمير الإنساني، في كيفية إنقاذ ما تبقى من فكرة العدالة في هذا العالم.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه تكبيرات العيد من مآذن العالم الإسلامي، ترتفع من غزة أصوات الأمهات فوق الركام، ويُرفع الدعاء هناك طلباً للبقاء، ثلاثة أعوام من الإبادة لم تكسر غزة، لكنها كسرت أوهام العالم عن العدالة والإنسانية وحقوق الإنسان، فالقضية اليوم لم تعد فقط شعباً يُقتل ويُجوَّع، ولكن عالماً يُختبر أخلاقياً ويسقط أمام الكاميرات كل يوم، ومع ذلك، تبقى غزة، بجوعها وخيامها ومقابرها المفتوحة، أكثر حياةً من جلاديها، وأكثر قدرةً على فضح هذا العصر الذي ازدحمت فيه مكة بالحجيج، فيما ازدحمت غزة بالشهداء.

المواضيع ذات الصلة
director
المقال السياسي
الهزيمة التي تبدأ من اعتياد المشهد
26 May 2026
director
المقال السياسي
عندما تصبح الأخلاق مشروطة بالجنسية: أسطول الصمود يقلب الطاولة!
25 May 2026
director
المقال السياسي
الدم حين يهزم الذريعة وصناعة السردية الفلسطينية في مواجهة الطمس
23 May 2026
director
المقال السياسي
ازدواجية معايير مجلس السلام.. في مرآة الديماغوجيا
20 May 2026
director
المقال السياسي
استهداف الحداد ونجل الحية بين الحرب النفسية وكسر التفاوض
19 May 2026
director
المقال السياسي
مسيرة العطاء تتجدد وفكرة القضاء تتبدد
17 May 2026
director
المقال السياسي
بين النكبة وحرب الإبادة تكرار للعدوان واستمرار لنهج الاحلال الممنهج
15 May 2026
director
المقال السياسي
"فلسطــين" ما بين (نكـبـة48 و طـوفــان23)
15 May 2026
director
المقال السياسي
من أوسلو إلى المليشيا الوظيفية، كيف أُعيد تعريف العدو في الوعي الفلسطيني؟
14 May 2026
director
المقال السياسي
حدود القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجية التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي وعقلنة الانسحاب
13 May 2026
director
المقال السياسي
بين الاتفاق والانتهاك... غزة رهينة المماطلة
09 May 2026
director
المقال السياسي
الماء كسلاح حين تستخدم إسرائيل العطش عقاباً جماعياً لأهل غزة
06 May 2026
director
المقال السياسي
كسر احتكار المعنى حين تستعيد المقاومة تعريف الممكن
06 May 2026
director
المقال السياسي
قراءة في الدلالات الاستراتيجية لـ "انسحاب" إعادة تموضع القوة الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا
02 May 2026
director
المقال السياسي
الخطّ الأصفر يتقدّم.. واتفاق التهدئة ينهار بصمت
30 Apr 2026