يذهب عالم الاجتماع وعالم القرار هربرت سايمون إلى أن القادة لا يتخذون قراراتهم في ظل معرفة كاملة، بل في إطار ما أسماه “العقلانية المحدودة”. فصانع القرار، مهما بلغت خبرته، يبني خياراته على أفضل معرفة متاحة لديه في لحظة معينة، لا على معرفة يقينية بالمستقبل. ومن هنا فإن تقييم القرارات الاستراتيجية لا يكون من خلال نتائجها فقط، بل من خلال نوعية المعرفة التي استندت إليها والافتراضات التي حكمت بناءها.
تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الصراعات الممتدة، حيث تصبح معرفة الخصم جزءاً من عناصر القوة ذاتها. فالحروب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضاً بالقدرة على فهم الطرف الآخر، وقراءة دوافعه، واستشراف سلوكه، وتقدير حدود قوته وضعفه.
لقد أدرك يحيى السنوار، كما يبدو من مسيرته وتجربته الطويلة في الأسر، أن الصراع مع إسرائيل ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل هو أيضاً صراع معرفة وإدراك وفهم عميق للخصم. ولذلك لم ينظر إلى الأسرى الذين أتقنوا العبرية باعتبارهم مترجمين ينقلون الكلمات، بل باعتبارهم عقولاً قادرة على تفكيك المجتمع الإسرائيلي وفهم بناه السياسية والأمنية والثقافية. وشجع كثيرين منهم على مواصلة تعليمهم الجامعي والتخصص في مجالات تخدم هذا الفهم، لتنشأ طبقة من الخبراء الذين جمعوا بين تجربة الاحتكاك المباشر الطويل بالمنظومة الإسرائيلية وبين الدراسة الأكاديمية المنهجية.
هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلي معلومات، بل تحولوا إلى منتجي معرفة. وفي أي تجربة سياسية أو عسكرية جادة، فإن من ينتج المعرفة يصبح جزءاً من عملية صنع القرار، لأن القرار في جوهره ليس سوى ترجمة عملية لتقدير موقف مبني على معلومات وتحليلات وافتراضات. فلا يوجد قائد، مهما بلغت قدراته، يصنع قراره في فراغ.
غير أن البعض ينظر اليوم إلى مشاهد الدمار الهائل في غزة ويعتقد أنه عثر على الدليل القاطع لإدانة هذه المقاربة بأكملها. وكأن المأساة الحالية تكفي وحدها لإثبات أن كل ما بُني من معرفة كان وهماً، وأن كل ما راكمته الحركة من فهم للخصم كان بلا قيمة. وهذه ليست قراءة استراتيجية، بل محاكمة عاطفية للتاريخ.
فالنتائج النهائية للحروب لا تنتج عن عامل واحد، ولا عن تقدير واحد، ولا عن عقل واحد. إنها نتاج تفاعل معقد بين الإرادات والقدرات والموارد والبيئات الإقليمية والدولية ومفاجآت الميدان وردود فعل الخصوم. وقد يعلم القائد الكثير عن خصمه، لكنه لا يملك السيطرة على كل المتغيرات التي ستتشكل بعد اتخاذ القرار.
إن المشكلة الحقيقية ليست في مبدأ معرفة الخصم، بل في الاعتقاد أن معرفة الخصم تمنح القدرة على التحكم الكامل بمسار الأحداث. فالمعرفة تقلل مساحة الجهل، لكنها لا تلغي المخاطرة. وتزيد فرص الإصابة، لكنها لا تضمن النصر. أما الجهل فلا يقدم سوى هزائم أكثر كلفة.
واللافت أن الأمم والجيوش الكبرى لم تتعلم من إخفاقاتها أقل مما تعلمت من انتصاراتها. فبعد كل حرب كبرى تبدأ عملية تشريح قاسية للفرضيات والتقديرات والبنى الذهنية التي حكمت القرار. وليس الهدف إعدام الفكرة، بل اختبارها وتنقيحها وتطويرها. لأن الحضارات لا تتقدم بإحراق أدواتها المعرفية، وإنما بمراجعتها وإعادة بنائها.
لهذا فإن واقع غزة الأليم اليوم يجب أن يكون مناسبة لطرح الأسئلة الصعبة لا لإغلاقها. كيف قُرئت إسرائيل؟ كيف فُهم المجتمع الإسرائيلي؟ ما الذي أصابت فيه التقديرات؟ وما الذي أخفقت فيه؟ وما هي المتغيرات التي لم تُحسب أو استُبعدت من الحساب؟ هذه أسئلة تنتج معرفة جديدة. أما الاكتفاء بالقول إن المأساة الحالية تنسف كل ما سبقها، فهو موقف يمنح الانفعال حق إصدار الأحكام بدلاً من العقل.
وفي الصراعات الوجودية الطويلة لا يكون السؤال: هل سعينا إلى معرفة خصمنا أم لا؟ بل: هل كانت معرفتنا كافية؟ وهل كانت فرضياتنا دقيقة؟ وهل امتلكنا القدرة على مراجعة استنتاجاتنا عندما تغيرت الوقائع؟ فالمأساة، مهما بلغت قسوتها، لا تلغي قيمة المعرفة، بل تكشف حدودها وتدفع إلى تطويرها. أما التخلي عن إنتاج المعرفة ومراجعتها تحت وطأة الصدمة، فليس نقداً استراتيجياً، بل بداية العجز الاستراتيجي الحقيقي.