قالها الزعيم المصري مصطفى كامل: "لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة"، ولم تكن عبارته شعارًا أخلاقيًا أو حماسة خطابية، بل خلاصة وعي تاريخي عميق؛ فالأمم لا تُقاس بلحظات ضعفها، بل بقدرتها على النهوض منها.
واليوم، ونحن نحدّق في المشهد الغزي المثقل بالدم والركام والفقد، يبدو السؤال ملحًّا:
هل ما نراه نهاية الطريق.. أم مجرد إحدى محطاته القاسية؟
غزة الآن: حين يبدو اليأس منطقيًا.. لكنه ليس قدرًا
غزة اليوم ليست فقط مدينة مدمَّرة، بل مجتمع مُستنزف نفسيًا، جُرّد من الإيقاع الطبيعي للحياة، ووضِع عمدًا في حالة تعليق تاريخي: لا حرب تُحسم، ولا سلام يُولد، ولا أفق قريب يُرى.
في مثل هذا السياق، يصبح اليأس موقفًا مفهومًا، بل يبدو أحيانًا عقلانيًا.
لكن التاريخ يعلمنا أن المنطق اللحظي غالبًا ما يخدع.
حركة التاريخ لا تعرف السكون
التاريخ لا يتحرك بخط مستقيم، ولا يستجيب لانفعالات اللحظة.
هو يتقدم ببطء، أحيانًا عبر الهزائم، وأحيانًا عبر الكوارث، لكنه نادرًا ما يتوقف.
الشعوب التي ظنّ العالم أنها انتهت، كانت غالبًا في طور التحول لا الزوال.
حين ننهض بالتجربة لا بالأمنيات
ألمانيا (1945):
بلدٌ مُدمر، مهزوم عسكريًا، مدنه ركام، وشعبه مكسور.
بعد سنوات قليلة فقط، بدأت "المعجزة الألمانية".
لم يكن السر في القوة، بل في إعادة بناء الإنسان قبل الحجر.
فيتنام:
تعرضت لإحدى أعنف الحروب في التاريخ الحديث، ملايين القتلى، واستخدام شامل لأسلحة الإبادة.
ومع ذلك، خرجت دولة موحدة، واقتصاد يتقدم، وهوية لم تنكسر.
اليابان:
هيروشيما وناغازاكي لم تكونا مجرد ضربتين نوويتين، بل إعلان موت شامل.
ومع ذلك، أعادت اليابان تعريف ذاتها، لا بوصفها ضحية، بل فاعلًا حضاريًا.
الجزائر:
أكثر من قرن من الاستعمار الاستيطاني، محاولات محو اللغة والهوية، ومليون شهيد.
لكنها خرجت دولة، لأن الوعي الجمعي رفض التسليم.
غزة ليست استثناءً من التاريخ
غزة اليوم منهكة، نعم.
موجوعة، نعم.
لكنها ليست مهزومة بالمعنى التاريخي.
الهزيمة الحقيقية ليست في عدد الشهداء ولا في حجم الدمار، بل في القبول الداخلي بفكرة النهاية.
ما يجري في غزة ليس صراعًا عسكريًا فقط، بل صراع على المعنى:
هل نحن شعب مؤقت؟
هل وجودنا قابل للإزالة؟
أم أننا – كما كل الشعوب الحية – نمر بلحظة قاسية في مسار طويل؟
الخاتمة: الأمل ليس شعورًا.. بل موقف
الأمل الذي نتحدث عنه ليس تفاؤلًا ساذجًا، ولا إنكارًا للألم، بل اختيار واعٍ للانتماء إلى الحياة.
وكما قال الزعيم مصطفى كامل، لا يمكن لليأس أن يتعايش مع شعب قرر أن يحيا، حتى وهو ينزف.
غزة، رغم كل شيء، لا تزال داخل حركة التاريخ..
والتاريخ، مهما طال ليله، لا يكتب نهاياته تحت القصف.