ان الواجب علي الأمة ان تستجيب إلى صرخة الأقصى المكبل! إنه ليس مجرد إغلاق أبواب، بل هو تنفيذ مباشر لمخطط صهيوني استعماري مدروس، يهدف إلى تهويد القدس كاملة، وفرض تقسيم زماني ومكاني يُمحو الهوية الإسلامية من أرض الإسراء والمعراج. الاحتلال الصهيوني الاستيطاني، بكل ما يحمله من مشروع إمبريالي توسعي، أغلق اليوم أبواب المسجد الأقصى المبارك، وحرم آلاف المصلين من الصلاة فيه، ومنع رفع الأذان في ساحاته الطاهرة. هذا الإغلاق ليس إجراءً أمنيًا عابرًا كما يدّعي الإعلام الصهيوني المضلل، بل هو حلقة في سلسلة جرائم منظمة تهدف إلى تحويل الأقصى من مسجد إسلامي خالص إلى «موقع أثري» يُدار تحت السيطرة اليهودية، تمهيدًا لإقامة «الهيكل» المزعوم.
في التحليل السياسي الدقيق، يُعد هذا الإغلاق تنفيذًا عمليًا لمخططات التهويد الصهيونية التي بدأت منذ احتلال القدس عام 1967م، وتتجلى اليوم في مشروع «التقسيم الزماني والمكاني». التقسيم المكاني يعني تقسيم ساحات الأقصى إلى مناطق «يهودية» و«إسلامية» وهمية، كما حدث في اقتحامات المتطرفين اليهود تحت حماية شرطة الاحتلال، حيث يُسمح لهم بالصلاة في مناطق محددة من المسجد، ويُمنع المسلمون من الاقتراب. أما التقسيم الزماني فهو الأخطر: تخصيص أوقات لليهود للصلاة والاقتحام، وأوقات أخرى للمسلمين، تمامًا كما حدث في الحرم الإبراهيمي الشريف حيث تم تقسيمه زمانيًا ومكانيًا حتى أصبح المسلمون أقلية فيه. هذه المخططات ليست عفوية، بل هي استراتيجية صهيونية رسمية تستند إلى «نظرية الأرض الموعودة» التوراتية، وتُشكل امتدادًا لوعد بلفور الاستعماري ومشروع الاستيطان الذي يرى في القدس عاصمة «إسرائيل» الأبدية.
إن نصرة الاقصى فرض عين على كل قادر في مثل هذه الظروف، وأن أي تسوية دائمة مع الغاصب مخالفة لثوابت الشريعة. هذا ليس كلاما عاطفيًا، بل من منهجية تربوية تجمع بين التربية الإسلامية الروحية والتحليل الاستراتيجي السياسي. وها نحن اليوم أمام اختبار هذا الضعف: هل سنقف متفرجين أمام مخططات التهويد والتقسيم، أم نستنهض الأمة بوعي سياسي واجتماعي يُحول الغضب إلى عمل جماعي منظم؟
اجتماعيًا، يُمثل إغلاق الأقصى ومخططات التهويد ضربة قاصمة للنسيج الاجتماعي للأمة الإسلامية. فالقدس ليست مدينة عادية، بل هي مركز التضامن الإسلامي العابر للقوميات والطوائف. عندما يُغلق المسجد ويُقسم زمانيًا ومكانيًا، يشعر المسلم في إندونيسيا وتركيا والمغرب وباكستان أنه محروم من بيته الأول، ويولد شعور جماعي بالعجز والانهزام النفسي يُغذي التفرقة الاجتماعية واليأس. هنا تظهر الحاجة الماسة إلى أن نبني كتلة أخلاقية اجتماعية تقاوم الانهيار النفسي، الوعي الاجتماعي يتطلب تحويل كل مسجد في بلاد المسلمين إلى منبر للتوعية بمخططات التهويد، وتفعيل التكافل الاجتماعي من خلال حملات المقاطعة الاقتصادية الشاملة للمنتجات الصهيونية والداعمة لها. الشاب الذي يقاطع شركات التقنية الصهيونية، والمرأة التي تُربي أبناءها على رفض التقسيم الزماني، والعالم الذي يُفتي بتحريم التطبيع، كلهم يُساهمون في نصرة الأقصى قبل أن يصل السلاح إلى اليد.
سياسيًا، يكشف إغلاق الأقصى ومخططات التهويد عن أزمة النظام الدولي وتواطؤه مع الصهيونية كقوة استعمارية. ميثاق الأمم المتحدة يتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومع ذلك يُغطي الغرب على جرائم التقسيم تحت ذريعة «الأمن الإسرائيلي». هذا التواطؤ الإمبريالي ليس جديدًا فهو امتداد للاستعمار الغربي الذي زرع الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة في قلب الأمة. هنا يجب أن نستحضر وان نفرق بين الصلح المؤقت الذي يُمليه الضعف، والتسوية الدائمة التي تُسلم الأرض والمقدسات. اليوم، كل اتفاق تطبيع مع الاحتلال هو طعنة في ظهر الأقصى، وكل صمت رسمي عربي أو إسلامي هو مشاركة فعلية في تنفيذ التقسيم الزماني والمكاني.
لذا فإن نصرة الأقصى ليست خيارًا بل واجب شرعي وسياسي واجتماعي. النصرة تبدأ بالإيمان اليقيني بأن الأقصى سيُحرر رغم مخططات التهويد، كما وعد الله في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1). ثم تأتي الخطوات العملية: أولها التربية السياسية للأجيال فالأمة لا تنهض إلا بجيل يدرك أن التقسيم ليس قدرًا بل عائقًا يُزال بالعزيمة والتخطيط الاستراتيجي.
ثانيها: الضغط الدبلوماسي والإعلامي بفضح مخططات التهويد في المحافل الدولية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لكسر الحصار الإعلامي الصهيوني.
ثالثها: الدعم المادي والمعنوي للمقاومة الفلسطينية التي تُدافع عن الأقصى يوميًا ضد الاقتحامات والتقسيم، سواء بالسلاح المشروع أو بالصمود الشعبي.
إن المقاومة الإسلامية تعد تجديدًا لفرض الجهاد الدفاعي، مستندًا في ذلك إلى أدلة الفقهاء من الشيباني إلى ابن تيمية والزحيلي. ليس هذا دعوة للعنف العشوائي، بل للعمل المنظم الذي يجمع بين السياسة والاجتماع والروح. اليوم، مع إغلاق الأقصى ومخططات التقسيم، يجب أن نُفعل «الفيزياء الدعوية» قوة الجماعة تتفوق على قوة الفرد، والتضامن الاجتماعي يُولد طاقة سياسية لا تُقهر. تخيلوا لو قاطعت كل أمة إسلامية المنتجات الداعمة لمخططات التهويد؛ تخيلوا لو أصبحت المظاهرات في عواصم العالم الإسلامي أسبوعية تحت شعار «لا للتقسيم الزماني والمكاني»؛ تخيلوا لو أن كل خطيب جمعة ذكر الأقصى باسم الجهاد الدفاعي الشرعي ورفض التهويد.
هذا الإغلاق وهذه المخططات ليست نهاية، بل بداية صحوة جديدة. الأمة التي صمدت أمام الصليبيين والتتار والاستعمار الحديث، لن تسقط أمام مشروع صهيوني يعتمد على دعم غربي متآكل. واستذكر كلام محمد أحمد الراشد في محاضراته عن «صحوة العراق» و«عودة الفجر» كان يؤكد أن اليقظة تأتي من القاعدة الشعبية، لا من الحكومات الرسمية . لذا فان شباب الأمة، هم اليوم حملة المشعل؛ أنتم من يُبني «صناعة الحياة» الجديدة حول رفض التهويد والتقسيم.
يا علماء الأمة، أفتوا بوجوب النصرة وتحريم التطبيع والتقسيم. يا نساء الأمة، ربين الأجيال على حب القدس ورفض التقسيم الزماني. يا أغنياء الأمة، أنفقوا في سبيل تحرير المقدسات قبل أن يُغلق الأقصى إلى الأبد.
في الختام، إن إغلاق الأقصى ومخططات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني جريمة سياسية واجتماعية تكشف عن وجه الاحتلال الحقيقي: عدو يخشى الصلاة في المسجد أكثر مما يخشى الجيوش. لكن وعد الله قائم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: 55). النصرة واجب، والتحرير آتٍ، والأقصى سيعود حرًا يرفع فيه الأذان، ويصلي فيه المسلمون صفوفًا متراصة دون تقسيم أو تهويد. هذا هو سبيل الإنقاذ الذي يجب أن ننطلق منه اليوم.