باعتقادي أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في بيئة الشرق الأوسط الاستراتيجية خلال العقد الأخير غالباً ما كانت تؤكد أن مفهوم الردع التقليدي المستند إلى مبدأ "منع الفعل عبر التهديد بالعقاب الشامل" قد أخذ في التآكل لصالح نمط بنيوي جديد يمكن وصفه بـ "التصعيد المحسوب".
ومن هذا المنطلق، فإن القوة العسكرية في المنطقة لم تعد تُوظّف كأداة حاسمة لإنهاء الصراعات، بل تحوّلت بدورها إلى وسيلة من وسائل القوة الذكية ضمن *"دبلوماسية خشنة"* تهدف إلى إدارة الأزمات لا حلّها، مما أدى بالضرورة إلى تحول المواجهات المباشرة والضربات المحدودة إلى جزء أصيل من *"لغة التفاهم السياسي المُشفّر"* بين القوى الإقليمية والدولية.
وهنا يجدر القول أن هذا التحول غالباً ما يستمد شرعيته الواقعية من التغيير الجوهري في طبيعة الفاعلين والأدوات؛ حيث أدى بروز "الفاعلين من غير الدول" واعتماد استراتيجيات "الوكلاء" إلى خلق حالة من الضبابية الاستراتيجية التي تسمح للأطراف باختبار حدود القوة دون تحمل المسؤولية القانونية أو السياسية الكاملة عن اندلاع حرب شاملة.
وبالتوازي مع هذا المعطى البشري، لعب التطور التكنولوجي، لا سيما في مجالي المسيّرات والهجمات السيبرانية، دوراً محورياً في تمكين الدول من شن ضربات "جراحية" دقيقة تحقق الردع الرمزي وتُرضي الداخل السياسي، ولكن مع البقاء عمداً تحت عتبة الانفجار الكبير، وهو ما أعتقد أنه يجسد بوضوح مفهوم "الردع المرن" الذي بدوره يمتص الصدمات بدلاً من صدّها بالكامل.
وهنا أرى بوضوخ كيف يتجلى هذا النمط السلوكي عند فحص التفاعلات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك في حيز المواجهة المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، حيث نجد أن الأطراف المعنية باتت تتبنى استراتيجية "الرسائل المتبادلة بالذخيرة الحية".
وفي هذا السياق، لم تعد الضربات العسكرية نذيراً بانهيار الاستقرار، بقدر ما أصبحت "صمام أمان" لتفريغ الاحتقان الاستراتيجي ضمن (قواعد اشتباك متفق عليها ضمناً)، حيث يحرص كل طرف على أن يكون رده "متناسباً" و"موضعياً"، لضمان الحفاظ على هيبة الردع دون الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية لا يرغب فيها أحد.
بيد أن هذا الانتقال من الردع المطلق إلى التصعيد المحسوب بالرغم من نوعية الاستهدافات المتبادلة وحجم الأضرار إلا أنه يطرح إشكالية منهجية تتعلق بقدرة نظريات العلاقات الدولية الكلاسيكية على تفسير ديناميكيات الصراع المعاصر؛ فالاعتماد المفرط على *"إدارة حافة الهاوية"* كأداة يومية يزيد من احتمالات وقوع *"سوء تقدير استراتيجي"*، حيث قد يُفسر طرف ما ضربة "رسائلية" على أنها تهديد وجودي، مما يحول الصراع المضبوط برمجياً إلى حرب إقليمية خارجة عن السيطرة.
وتأسيساً على ذلك، تبرز هنا الحاجة الملحة لإعادة تعريف مفاهيم الأمن الإقليمي، والاعتراف بأن المنطقة دخلت مرحلة "الاشتباك المستمر منخفض الحدة"، وهي حالة تتطلب أدوات دبلوماسية استباقية تتجاوز مجرد مراقبة الخطوط الحمراء إلى محاولة بناء تفاهمات بنيوية تمنع تحول هذا التصعيد المحسوب إلى فوضى شاملة.
وهذا بالضرورة يقتضي من الفواعل الدولية والاقليمية إعادة النظر بفلسفة إدارة الصراعات عبر إدارة "حافة الهاوية" نظراً لكونها لغاية الآن لم تنجح في بسط الأمن والسلم الإقليميين.
وعليه فإن الانتقال لمناقشة وحل جذور الصراعات في الإقليم وقطع فتائل الإنفجار في المنطقة على قاعدة عدالة توزيع الأدوار، والاعتراف بالحقوق، واحلال صيغ تعاون مشترك تفضي لسلام عادل وشامل مستدام يمنح شعوب المنطقة المشاركة على قاعدة رابح/رابح. هو الكفيل الوحيد بضمان الأمن والسلم الدوليين.
وبالتالي؛ فإن تلك الحقيقة التي قد يتهرّب منها الفاعلين والمتنافسين الدوليين في المنطقة هي نفسها التي غالباً بحسب غالبية المختصين والباحثين السياسيين ما سيستسلموا لها في المستقبل القريب، فلا داعي لهدر مزيد من الوقت.