مع حلول يناير 2026، يواجه قطاع غزة ذروة شتاء ثالث تحت وطأة عدوان مستمر منذ أكتوبر 2023. وفي هذا السياق، لم يعد الشتاء مجرد تحدٍ مناخي موسمي، بل تحول بفعل السياسات الممنهجة للاحتلال إلى أداة "عنف" تهدف إلى مضاعفة المعاناة الإنسانية. تستعرض هذه الورقة كيف تم توظيف الظروف الجوية كعقاب جماعي يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة ليصيب البنية الحيوية للمجتمع المدني.
أولاً: التوصيف الميداني للظروف الإنسانية.
لم يكن المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع في ديسمبر الماضي مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان عاملاً مضاعفاً لآثار الدمار المتراكم، مما أدى إلى تفاقم الأزمات التالية:
•وفيات بسبب البرد: وفقاً لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية الصادرة في 20 يناير 2026، ارتفع عدد ضحايا البرد القارس إلى 24 حالة وفاة، بينهم 21 طفلاً. وتفسر هذه النسبة المرتفعة بين الأطفال من منظور فسيولوجي؛ حيث تعجز الأجساد التي تعاني من "سوء التغذية الحاد" وانعدام المأوى عن ممارسة "التنظيم الحراري" (Thermoregulation) الطبيعي، مما يجعل الموت نتيجة حتمية لتقاطع الحصار مع القسوة المناخية.
•انهيار المأوى واستدامة الخطر: أدت الرياح والأمطار إلى تقويض ما تبقى من هياكل عمرانية متصدعة، محولةً إياها إلى مناطق خطر داهم. ويشير تقرير "الأونروا" إلى أن 800 ألف نسمة (نحو 40% من السكان) يعيشون حالياً في مواقع عالية الخطورة، حيث أصبحت المساكن غير صالحة للاستخدام الآدمي نتيجة التعرية المطرية والفيضانات.
•تآكل بدائل الإيواء والطاقة: تشير التقديرات إلى تضرر أكثر من 42 ألف خيمة بشكل كلي أو جزئي بين ديسمبر 2025 ويناير 2026. ومع المنع الصارم لدخول الوقود ومعدات التدفئة، اضطر النازحون للاعتماد على "الوقود الحيوي السام" (حرق النفايات والبلاستيك)، وهو ما نقل الأزمة من خطر "البرد" إلى خطر "التسمم التنفسي" والأمراض الصدرية المزمنة.
ولا بد من الإشارة أن هذه الخسائر في الأرواح والمادة مستمرة في الارتفاع ما استمر الصمت وتعنت الاحتلال.
ثانياً: الشتاء كأداة للعقاب الجماعي المنهجي
إن تضافر انعدام البنية التحتية مع المنع المتعمد للمساعدات يخرج "الشتاء" من إطاره الطبيعي ليدخله في إطار العقاب الجماعي، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). ويظهر هذا التوظيف المنهجي في ثلاثة مسارات أساسية:
•سلاح الحصار اللوجستي: يمارس الاحتلال سياسة "التقطير" في إدخال المساعدات، حيث يتم استبعاد مستلزمات الشتاء الأساسية (الخيام المقاومة للماء، الملابس الصوفية، وقود التدفئة) واستخدامها كأوراق ضغط سياسي وابتزاز للمجتمع المحلي، مما يحول الاحتياج الإنساني الفطري للدفء إلى وسيلة للمساومة السياسية.
•التنكيل المنهجي في مراكز الاحتجاز: تمتد سياسة "التبريد القسري" إلى داخل السجون، حيث تؤكد تقارير هيئة شؤون الأسرى حرمان المعتقلين من الحد الأدنى من الأغطية والملابس الشتوية. هذا الإجراء ليس عفوياً، بل يندرج ضمن "سياسة الإنهاك الجسدي" والنفسي التي تتبعها إدارة السجون تحت مظلة الظروف الجوية
•تدمير القدرة على التعافي: إن الاستهداف المتكرر لآليات البلدية والمعدات الثقيلة اللازمة لترميم قنوات الصرف الصحي أو ردم الحفر الناتجة عن القصف، يؤدي إلى تحويل مياه الأمطار إلى "برك وبائية". هذا التدمير للبنية التحتية يضمن بقاء السكان في حالة "استضعاف دائم" أمام الميكروبات والفيروسات الشتوية.
خاتمة
إن ما يحدث في غزة شتاءً ليس نتاجاً لغضب الطبيعة، بل هو "هندسة مقصودة للمعاناة". إن تحويل البرد إلى سلاح فتاك يتطلب إعادة نظر دولية في آليات حماية المدنيين؛ فالعقاب الجماعي لا يتم فقط عبر القذائف، بل يتم أيضاً عبر الحرمان المنهجي من الحق في الدفء والمأوى، مما يجعل الصمت الدولي تجاه هذه الكارثة الشتوية مشاركةً ضمنية في تقويض مبادئ القانون الدولي الإنساني.