في الأدبيات السياسية، يُشار إلى نمط متكرر في الدول الواقعة تحت الاحتلال أو الضغط الخارجي، يُعرف بتدويل الصراع الداخلي، حيث تراهن قوى سياسية داخلية على تدخل أو ضغط خارجي لتغيير موازين السلطة، بدل الاعتماد على التراكم الداخلي والشرعية الشعبية. هذا النمط لا يقتصر على حالة بعينها، بل يظهر بوضوح في تجارب تاريخية وكذلك معاصرة، من بينها فلسطين وفنزويلا.
في فنزويلا، تمثل ماريا كورينا ماتشادو أحد أبرز تعبيرات هذا التوجه. ففي تصريحات علنية متكررة منذ عام 2019، دافعت ماتشادو صراحة عن العقوبات الأمريكية، واعتبرتها وسيلة ضرورية لإسقاط حكومة نيكولاس مادورو. في مقابلات إعلامية دولية، أكدت أن تخفيف العقوبات قبل التغيير السياسي سيكون خطأً استراتيجياً، حتى في ذروة الانهيار الاقتصادي وتدهور الخدمات الأساسية. هذا الموقف، بالنسبة لمنتقديها، يشكل انتقالاً واضحاً من معارضة داخلية إلى تبني أدوات ضغط خارجي ذات كلفة اجتماعية عالية.
هذه الرؤية تتعامل مع العقوبات الخارجية كرافعة مركزية للتغيير، دون تقديم تصور عملي لكيفية حماية المجتمع من آثارها، أو ضمان عدم تحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الدولية. هكذا، تتحول المعارضة من فاعل داخلي وطني إلى جزء من معادلة ضغط دولية.
في الحالة الفلسطينية، يظهر منطق مشابه يروج له جناحي حركة فتح عموماً. الرئيس الفلسطيني أبو مازن طالب عام 2015 في القمة العربية بتبني نموذج عاصفة الحزم لحل الانقسام الفلسطيني بحسبه.
أما بالنسبة لتيار الاصلاح في فتح، عبّر ممثلون عنه في أكثر من محطة عن مواقف نقدية حادة للمقاومة من منطلق ينسجم مع رؤى إقليمية تعتبر المقاومة عبئاً سياسياً ينبغي تحييده أو احتواؤه. مواقف وخطاب يقدّم "الاستقرار الإقليمي" و"الترتيبات الأمنية" أولوية على حساب الحقوق المشروعة أو الإجماع الوطني الفلسطيني، وفي لحظات عدوان مباشر من الاحتلال.
يُصنَّف هذا السلوك عادة ضمن ما يُعرف بالشرعية المستوردة، أي السعي لاكتساب النفوذ عبر الاعتراف والدعم الخارجي بدل التفويض الشعبي.
الجامع بين الحالتين في فنزويلا وفلسطين، هو السلوك السياسي لا السياق. ففي كلا الحالتين، يتم تبرير الضغط الخارجي بوصفه أداة تغيير ستحمل الرفاه للمواطنين، دون إجابة كافية عن سؤال الكلفة الاجتماعية، أو عن مآلات القضايا الكبرى بعد التغيير. بهذا السلوك السياسي يتم اختزال السيادة في خطاب شعبوي، بينما تُقيَّد فعلياً بارتباطات خارجية.
على أرض الواقع، قد يحقق هذا النمط حضوراً سياسياً وقت اشتداد الأزمات، لكنه يفشل في بناء استقرار طويل الأمد. فالسلطة التي تُبنى تحت ضغط الخارج، تبقى أسيرة شروطه، ومعرّضة للانهيار عند أول تبدّل في المصالح الدولية، ولدينا مثال السلطة الفلسطينية معبراً بشكل صارخ عن ذلك.
في فلسطين كما في فنزويلا، لا يكمن الخطر في الاختلاف السياسي، بل في تحويل معاناة الشعوب إلى أداة تفاوض سياسي، وحين تُفقد البوصلة، لا يعود السؤال من سيحكم، بل أي قضية ستبقى.