حتى بعد مرور قرون على انطلاقاته، مازال الحديث عن الاستشراق بكل أنواعه مثيرا للجدل. ذلك لأنه وضع الباحثين والدارسين له في مواقف متباينة حتى في قلب العالم الشرقي. فانقسموا بين من يراه ظاهرة علمية طبيعية تولدت عن حركة الصراع بين الشرق والغرب، في إطار الدراسة والبحث الناتج عن الفضول البريء اتجاه الآخر. وبين من يشكك في نياته وأهدافه وعلى رأسهم إدوارد سعيد الذي أدان بشدة في كتابه الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق هذا النشاط فعرفه أنه " أسلوب غربي للهيمنة على الشرق وإعادة بنائه والتسلط عليه". وقد رفض عدد من المستشرقين هذا الموقف بشدة وعلى رأسهم برنارد لويس الذي يصف غاية الاستشراق بالإنسانية ويعدها مهمة نبيلة لإنقاذ المسلمين من معتقدات فاسدة تحول بينهم وبين الحضارة والقيم الرفيعة. لم يتخلف اليهود عن هذه الحركة فظهر ما يسمى الاستشراق اليهودي. فما هو الاستشراق اليهودي؟ ما هي مراحله ومميزاته؟ وكيف أعاد إنتاج نفسه في الخطاب الصهيوني بعد طوفان الأقصى؟
1_ الاستشراق اليهودي ومراحله: لم يأت الاستشراق اليهودي بمعزل عن الاستشراق الغربي، بل ولد في كنفه. واستفاد من أدواته. فكانت البداية مع مستشرقين يهود دخلوا مجال الاستشراق بهوية أوروبية دون الإفصاح عن هويتهم اليهودية. ثم طوعوه لخدمة نبوءاتهم التوراتية. ولقد اختلفت التسميات حسب خصائص كل مرحل من مراحله .
*الاستشراق اليهودي: تعرفه الباحثة الإيرانية فاطمة جان أحمد بأنه الحركة العلمية اليهودية التي تهدف إلى دراسة كل شؤون الشرق الإسلامي السياسية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية والأنثروبولوجية وغيرها من خلال اتباع منهج ديني والهيمنة على البلدان الإسلامية من أجل تحقيق أهدافها الدينية والسياسية وتحقيق الهيمنة العلمية على العالم الإسلامي. وهذا ما رفضه مستشرقون وغيرهم لاعتبارهم الاستشراق ممارسة علمية لا تخدم أي توجه إمبريالي.
*الاستشراق الصهيوني: هذا النوع تكيف مع مطامع المشروع الصهيوني في امتلاك الأرض وإقامة مملكة يهودية اعتمادا على زعمهم بأن اليهود شعب الله المختار. فروجوا
لهذا الزعم بقوة إعلاميا وسياسيا وثقافيا كما حاولوا شرعنة وجودهم على أرض فلسطين.
* الاستشراق الإسرائيلي أو العبري: هو الحركة العلمية التي تحتضنها مراكز البحث والمؤسسات التابعة للكيان المزعوم على الأرض المحتلة. والتي يشرف عليها مستشرقون يحملون الجنسية الإسرائيلية يكرسون للاحتلال ويعمون مخططاته.
ومن كل ما سبق يمكن القول إن اختلاف التسميات هو اختلاف تنوع لا تضاد، حيث أسفرت كل مرحلة عن تسمية نتيجة لما تميزت به. فكانت اليهودية هي أول تسمية لكونها ارتبطت بالقومية اليهودية في أوروبا. ثم تطورت لتواكب الرؤية اليهودية الجديدة المتمثلة في المشروع الصهيوني. ثم استقرت الآن على الاستشراق الإسرائيلي أو العبري بعد إعلان قيام دولة للكيان.
2_ مميزاته:
*بداية ناعمة: في دراسته عن الأدب الصهيوني تحدث الكاتب الصحفي الراحل غسان كنفاني عن التسلل الناعم لليهود من خلال فن الأدب في البداية للترويج لأفكارهم الفجة غير الأخلاقية بطريقة ناعمة. ليستثيروا عواطف عامة اليهود بخصوص أرض الميعاد من جهة. وجلب التأييد والتعاطف المسبق من العالم الغربي من جهة أخرى. فتسييس الدين اليهودي عبر عن نفسه أولا بالأدب. فمن كان ليتخيل أن بداية تاريخ الصهاينة الحافل بالجرائم والمجازر وسفك الدماء واغتصاب الأراضي انطلق من سطور أدبية برعت في التزوير وغسل الدماغ العالمي.
*التعصب: مثل الاستشراق اليهودي صورة من صور التعصب العقدي، فاعتمد على التشويه، والكذب الصريح كقاعدة في دراساته اتجاه كل ما هو إسلامي فلسطيني مقاوم له.
* التغلغل: قطع الاستشراق اليهودي أشواطا متقدمة في بث نتائج دراساته للآخر على شكل وعي في كل المجالات ولم يكتف بها كدراسات أكاديمية حبيسة، أو حجر أساس لسياسات الساسة. بل حولها لثقافة عالمية مما أكسبه تعاطفا شعبيا وتأييدا غير مسبوق.
3_ تمثلات الاستشراق الجديد في الخطاب الصهيوني بعد طوفان الأقصى:
معركة طوفان الأقصى، زيادة على أنها كانت معركة عسكرية، شكلت على الصعيد الفكري معركة سرديات فارقة. خاضها الإعلام العبري من الداخل الإسرائيلي ومن يدعمه من مؤسسات إعلامية عالمية في العالم الغربي وأبواق عربية اختارت التخندق مع اليهود في خندق واحد وإعلام المقاومة والصمود بكل أشكاله ومستوياته بدءا من الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام، وإعلام حركة حماس ومن يدعمها من مؤسسات إعلامية رسالية ورجالات الفكر والنخبة المؤثرة.
ومن خلال استقراء وتحليل الخطاب الصهيوني بعد السابع من أكتوبر، كان من الواضح أن اللهجة الاستشراقية العنصرية قد طغت عليه. ومن أهم دعائمها كانت النقاط التالية:
1_ السابع من أكتوبر كان البداية: اتفق عمالقة الإعلام الغربي على الحديث عن السابع من أكتوبر باعتباره هجوما إرهابيا قض مضاجع إسرائيليين يعيشون على أرضهم في سلام. فلا يخيل للقارئ والمستمع أن تاريخا طويلا من السجال بين الطرفين كان قائما كحال أي مقاومة مع محتل إحلالي.
2_حيونة الفلسطيني:
برز التحول الجذري في الخطاب الرسمي الإسرائيلي مع تصريح وزير الدفاع يوآف غالانت في بداية الحرب حين قال: "نحن نحارب حيوانات بشرية". هذه الكلمات ليست زلة لسان لرجل دولة بل كلمات نابعة عن يقين تام لشرعنة الإبادة والتطهير العرقي، لأن نزع صفة الإنسانية عن الإنسان يجعله في مقام حيوان والقضاء عليه يصبح فعلا ليس مبررا وحسب بل أخلاقيا.
3_ تأطير المقاومة بالإرهاب والجنون: ارتكز الخطاب الصهيوني وبالأخص خطاب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي السابق أفيخاي أدرعي على تصوير فعل المقاومة فعلا شاذا ومن يقوم به مجرد مجانين ومخربين لا يحظون بالتأييد الشعبي. وبالقضاء عليهم تحل المشكلة.
4_ صناعة الكذب: المقاومة تقطع رؤوس الأطفال، تستخدم المستشفيات كقواعد عسكرية، ورجالها قاموا بانتهاكات جنسية صبيحة السابع من أكتوبر. وسلسلة من الأكاذيب عكف الكيان الصهيوني على إخراجها من العدم، وعكفت مؤسسات إعلامية عالمية على ترديدها رغم افتقارها لأدنى دليل في ضرب قوي لقيم الصدق والمصداقية التي تبجحوا بها طويلا.
5_التفوق الأخلاقي للجيش الصهيوني:
يعتمد هذا المصطلح على فكرة استشراقية ترى أن "الغرب/إسرائيل" يمتلك منظومة قيمية عليا، بينما "الشرق/الفلسطينيين" يفتقرون إليها. لذا، يُقدم قتل المدنيين الفلسطينيين دائماً على أنه "خطأ غير مقصود" أو "ضرورة أمنية"، بينما يُصنف فعل المقاومة على أنه "توحش أصيل". غير أن هذا الادعاء بات يشكل عبءا على حكومة الاحتلال أكثر من وسيلة دعائية خاصة بعد رواج مقاطع لجنود منزوعي الإنسانية وهم يتباهون بقصف المنازل وقتل العزل فهم الآن يخربون بيوتهم بأيديهم.
خاتمة: تصاعد الخطاب الاسشراقي يلزمنا بمواجهته كل حسب استطاعته. والمواجهة لا تكون بالدفاع وحده لأن ذلك الزمن قد ولى، بل بفرض سردية بديلة تعيد الصراع إلى أصوله كقضية تحرر وطني ضد منظومة استعمارية، اعتمادا على أدوات العصر الحديث المعرفية منها والرقمية.