في غزة كل شيء مختلف، ومنذ ثلاثة أعوام كل يوم فيها كألف سنة مما تعدون، الأحوال لم تعد كما كانت سابقاً، أما عيد الأضحى فهو الآخر ليته كان بلا طعم، إنما هو شعائر عبادةٍ مع آلام ودموع ومآسٍ لا تتوقف.
في غزة لم نجد الوقت كي نعد أيام العيد ونرسم تفاصيل اليوم بإسعاد الأهل والأطفال لنطبع على وجوههم الابتسامات وفي قلوبهم الضحكات، فقد افتتحنا العيد بالشهداء وغادرنا بالشهداء.
في غزة لم تكن ليلة العيد فاتحة فرح، بل كان للاحتلال الإسرائيلي رأي آخر، فجعلها كعادته ليلة مغمسة بالدم والرماد، وكانت فيها دماء 13 شهيداً ارتقوا ليلة العيد جراء غارات وقصف مكثف للاحتلال استهدف مناطق متفرقة من القطاع، إيذاناً بانطلاق موسم الأضاحي.
أما في صبيحة العيد، فتواصل قطار الأضاحي لتستيقظ غزة على فاجعة أكبر؛ 21 شهيداً، بينهم 10 شهداء ارتقوا دفعة واحدة في قصف وحشي استهدف منزلاً وسط مدينة غزة، كان من بين ضحاياه 4 أطفال تحولت ملابس عيدهم الجديدة إلى أكفان، إلى جانب أكثر من 20 مصاباً ضاقت بهم المستشفيات الجريحة أصلاً، والتي لا تحمل من معناها إلا الاسم بعد تدميرها سابقاً خلال الإبادة الجماعية التي نفذتها "إسرائيل" بغطاء من الصمت العالمي القذر.
في غزة لم يتوقف شلال الدم، ففي يوم العيد الثاني، استشهد 5 مواطنين وأصيب آخرون، من بينهم 3 شهداء ارتقوا في استهداف غادر لحاجز أمني في مواصي خان يونس، المنطقة التي يزعم الاحتلال أنها "آمنة".
وفي اليوم الثالث والرابع وغيرهما، لم يتوقف شلال الدم النازف، وإن كانت دماء الهدي قد توقفت بعدما انتهى التوقيت الزمني لها هذا العام، فإنها في غزة لم تتوقف، فجنازة تذهب وأخرى تأتي، وهكذا مر العيد على غزة المخذولة من الجميع.
في غزة جنازات بدل الزيارات، ودموع بدل التهاني، وأيام يكتبها الاحتلال بالدم والنار، ليمسح أي مشهد من ملامح البهجة ويحول التكبيرات إلى مآتم.
وحينما تُدير وجهك إلى ناحية أخرى في غزة، تجد أن الاحتلال الإسرائيلي أجبر مئات آلاف العائلات على الابتعاد قسراً عن بيوتهم الدافئة التي تحولت إلى ركام وأكوام من التراب، فوجدوا أنفسهم خلال العيد يواجهون قسوة الحياة داخل خيام هشة لا تقي حراً في الصيف ولا برداً في الشتاء، فالعيد في الخيمة ليس عادياً، بل هو مواجهة يومية مريرة مع صعوبات الحياة؛ حيث تغيب أبسط مقومات العيش الآدمي، وتنعدم المياه العذبة وحتى المياه العادية للاغتسال والطبخ، ليصبح الحصول على شربة ماء رحلة عذاب شاقة تبدأ مع ساعات الصباح الأولى ولا تنتهي.
في كل مكان في العالم، ينتظر الأطفال العيد ليرتدوا أجمل ما عندهم ويحصلوا على "العيدية" لشراء الألعاب، لكن أطفال غزة حُرِموا هذه المرة من كل شيء. وفي ظل الحصار الخانق وغياب النقود والسيولة، وقف الآباء عاجزين بجيوب فارغة وقلوب مكسورة عن تقديم العيدية لأطفالهم.
بل إن النقود حتى وإن توفرت، فأين يذهب الأطفال؟ لقد دمر الاحتلال بآلته الحاقدة كل أماكن المرح واللعب، وتحولت الميادين والمنتزهات إلى ساحات من الدمار والخراب، مليئة بأطنان من الردم والركام التي باتت المأوى المناسب لملايين القوارض والفئران.
المشهد الأكثر إيلاماً هذا العيد في غزة، كان لآلاف الأطفال الأيتام، الذين لم يجدوا مكاناً يقضون فيه عيدهم سوى المقابر، متوسدين تراب قبور والديهم الذين استشهدوا في هذه الحرب، يبكونهم ويشكون إليهم وحشة الدنيا وقسوتها من بعدهم.
ولأول مرة في تاريخ القطاع، يأتي عيد الأضحى بلا أضاحي. فبسبب الحصار المطبق وإغلاق المعابر، غابت الأنعام والمواشي تماماً عن الأسواق، وإن وُجدت فبأسعار خيالية تفوق قدرة الغزيين الذين باتوا يعتمدون على المعلبات للبقاء على قيد الحياة. غابت طقوس الذبح والتوزيع، واختفت لحوم الأضاحي عن موائد العائلات النازحة، ليقتصر العيد على شعائر غائبة وجوع ينهش الأجساد المتعبة.
لقد مرّ هذا العيد على غزة ثقيلاً، كارثياً، وموجعاً؛ عيدٌ بلا بيوت، بلا أضاحي، وبلا ألعاب. عيدٌ تختصره دمعة أم ثكلى، وصرخة طفل يتيم، وخيمة تجرفها السيول والرياح، وشعبٌ صابرٌ يضحي بأبنائه وبيوته على مذبح الحرية، في ظل صمت دولي مخزٍ وعالم يكتفي بالمشاهدة.