ليست المقاومة الفلسطينية ظاهرة طارئة على التاريخ السياسي للمنطقة، ولا خيارًا اضطراريًا أفرزته لحظة انسداد سياسي عابر، بل هي تعبير بنيوي عن صراع تحرري طويل تشكّل منذ بدايات المشروع الاستعماري في فلسطين. إن التعامل معها بوصفها ردّة فعل أو مغامرة ظرفية لا يعكس قصورًا أخلاقيًا بقدر ما يكشف خللًا تحليليًا عميقًا، لأن هذا المنهج يفصل الحدث عن مساره، ويعزل المعركة عن بنيتها التاريخية، ويقيس الصراعات المركبة بمنطق النتائج السريعة لا بمنطق التراكم الاستراتيجي.
تُظهر القراءة الطويلة الأمد أن المقاومة الفلسطينية تحرّكت تاريخيًا وفق منطق موجي، تتقدّم عبر دورات صعود وانحسار، تتبدّل فيها الأدوات والسياقات، بينما يبقى جوهر الصراع ثابتًا. كل موجة حملت كلفة أعلى، لكنها في المقابل راكمت خبرة ووعيًا وقدرة أكبر، سواء على مستوى التنظيم أو الردع أو السردية. ضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم ما عُرف بطوفان الأقصى كمعركة معزولة أو مقامرة غير محسوبة، بل بوصفه ذروة نوعية في مسار موجي، بلغت حدّها الأقصى من حيث الأثر البنيوي، لا من حيث النتائج السطحية المباشرة.
الخلل المركزي في كثير من القراءات التي أعقبت هذه المرحلة يتمثل في اختزال التقييم في حجم الدمار وعدد الضحايا، وكأن المعاناة الإنسانية معيار كافٍ للحكم على المآلات الاستراتيجية. هذا الخلط، رغم مشروعية ألمه، يُنتج استنتاجات مضللة. فالمعاناة، مهما بلغت قسوتها، لا تُساوي الهزيمة العسكرية ما لم تُفضِ إلى كسر الإرادة أو تفكيك القدرة أو فرض الاستسلام السياسي، وهو ما لم يتحقق. على العكس، كشفت هذه المرحلة عن حدود القوة العسكرية المجردة، وأظهرت هشاشة افتراضات مركزية قامت عليها منظومة الأمن الإسرائيلية لعقود.
لقد شهدت البيئة الأمنية للكيان اهتزازًا غير مسبوق، ليس فقط على مستوى الجبهة العسكرية، بل في العمق النفسي والسياسي والاجتماعي. تآكلت صورة الردع المطلق، وتصدّعت ثقة المجتمع بالدولة وقدرتها على الحماية، وتحوّل الأمن من مسلّمة إلى سؤال مفتوح. وفي موازاة ذلك، تسارعت عملية تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية للكيان في الوعي الدولي، حيث لم تعد إسرائيل قادرة على تسويق حربها بوصفها دفاعًا عن النفس، بل باتت تُحاكم بوصفها قوة احتلال تمارس عنفًا مفرطًا بلا أفق سياسي.
هذا التحول في مجال الشرعية لا يقل أهمية عن التحولات العسكرية، لأنه يعيد تعريف ميزان الصراع خارج ميدان السلاح، في حقل السردية والقبول الدولي والقدرة على الاستمرار. عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية لم تكن نتاج تعاطف إنساني عابر، بل نتيجة انكشاف بنيوي لطبيعة الصراع بوصفه قضية استعمار استيطاني لم تُحل، بل جرى تعليقها قسرًا. في هذا المعنى، لم يكن طوفان الأقصى حدثًا أغلق صفحة، بل صدمة أعادت فتح الملف من أساسه.
من هنا، يبدو توصيف المقاومة كعبء على الشعب الفلسطيني قراءة معكوسة للواقع. العبء البنيوي الحقيقي هو الاحتلال ذاته، واستدامته، وإعادة إنتاجه سياسيًا تحت عناوين الواقعية والاستقرار. المقاومة، بكل ما يرافقها من كلفة، لم تكن يومًا نقيضًا للهوية الفلسطينية، بل إحدى أدوات حمايتها ومنع تفريغها من مضمونها. هي ليست مشروع موت، بل محاولة دائمة لمنع الموت البطيء، موت المعنى والحق والقدرة على الفعل.
في هذا السياق، تبرز محدودية الطروحات السياسية التي تُبقي الاحتلال أصلًا ثابتًا في معادلة الحل، وتتمحور حول نزع سلاح المقاومة بدل تفكيك بنية السيطرة الاستعمارية. هذه الطروحات، مهما تزيّنت بلغة التهدئة وإدارة الأزمات، تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية للسيادة أو الأمن أو الحقوق، وتعيد إنتاج شروط الهشاشة ذاتها التي فجّرت كل جولات الصراع السابقة. نزع السلاح تحت الاحتلال ليس تسوية، بل إعادة ضبط للاختلال في ميزان القوة، وتأجيل منظّم للانفجار التالي بشروط أسوأ.
إن الرهان الاستراتيجي الأكثر واقعية لا يكمن في تفكيك أدوات الصمود، بل في تعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية على أساس وعي تاريخي صارم، يميّز بين النقد الضروري والتفكيك الممنهج، ويدرك أن ما جرى ليس نهاية المسار بل محطة فاصلة بين موجتين. موجة بلغت ذروتها وكسرت توازنات راسخة، وموجة قادمة ستتشكل في بيئة مختلفة، أكثر انكشافًا للعدو، وأقل تسامحًا مع القوة العارية، وأكثر حساسية لمسألة الشرعية.
الالتفاف الشعبي الواسع حول خيار المقاومة لا يعني تفويضًا مطلقًا ولا إعفاءً من المساءلة، لكنه يعكس إدراكًا جمعيًا بأن الصراع لم يُحسم، وأن الكرامة ليست ترفًا سياسيًا بل شرط وجود. من يطالب الفلسطيني اليوم بالاختيار بين الحياة والمقاومة، يتجاهل أن غياب المقاومة لم ينتج حياة، بل شكلاً آخر من أشكال الموت المؤجل.
في المحصلة، لا يمكن فهم ما جرى ولا استشراف ما هو قادم من دون الخروج من أسر اللحظة، ومن دون إعادة بناء التحليل على أساس الصراع الطويل، لا الحدث العابر. فالشعوب لا تنتصر لأنها الأقوى في لحظة بعينها، بل لأنها الأقدر على تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى استمرار. وفي هذا المعنى، تبقى المقاومة الفلسطينية، بكل تعقيداتها وكلفتها، جزءًا لا يتجزأ من معادلة التاريخ، لا استثناءً عنها.