تابعت العديد من التحليلات الوازنة التي تنفي المقاربة التي تفيد بتراجع مكانة الشرق الأوسط في السياسة والاهتمام الأمريكي، وانتقال الثقل الأمريكي والاهتمام الجيوستراتيجي نحو المحيطين الهندي والهادي وبحر الصين الجنوبي، إلا أن تلك التحليلات تُثبت بناءّ على التحولات الراهنة في المشهد الدولي أن الحديث عن أفول الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط لم يكن سوى قراءة آنية للواقع، إذ سرعان ما استعاد الشرق الأوسط مكانته وعاد مركز ثقل لا يمكن تجاوزه في الحسابات الجيوسياسية الكبرى. كما إن هذا الانبعاث لا يستند فقط إلى الإرث التقليدي المرتبط بموارد الطاقة، إنما يتجاوزه نحو دور أكثر تعقيداً في بنية النظام العالمي الجديد، حيث باتت المنطقة المحرك الرئيسي لشبكة الممرات المائية وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، لم يعد التنافس الدولي حبيس الصدامات العسكرية الكلاسيكية، بل انتقل إلى طور "صراع الممرات الاقتصادي"، حيث تتواجه الرؤية الصينية المتمثلة في "مبادرة الحزام والطريق" (BRI) مع المساعي الأمريكية لترسيخ "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC).
وهو ما ركّزت عليه في دراستي العليا حول القوة الناعمة الصينية ودورها في تعزيز النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط، وعديد من المقالات ذات العلاقة. وبالتالي هذا التنافس المحموم حوّل المنطقة العربية إلى ساحة اختبار للنفوذ، حيث تسعى واشنطن لدمج المنطقة في منظومة أمنية واقتصادية تضمن تفوقها بقيادة إسرائيل، بينما تعمل بكين على تقديم نموذج بديل يقوم على التنمية والاستثمار دون شروط سياسية مسبقة.
لذا فإن هذا الاشتباك الجيوسياسي وضع بالضرورة القضية الفلسطينية أمام مفارقة تاريخية؛ فبينما تحاول القوى الكبرى أحياناً تهميش الأزمات السياسية لصالح مشاريع الربط الاقتصادي، أثبت الواقع أن فلسطين تظل "الرقم الصعب" الذي يمكنه تعطيل أو تمكين هذه المشاريع. فبالنسبة للولايات المتحدة، أصبح من الضرورة لها احتواء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهي ضرورة استراتيجية لإنجاح ممر (IMEC) الذي يمر عبر الأردن و"إسرائيل"، إذ لا يمكن بناء شبكة سكك حديدية وموانئ مستقرة في بيئة أمنية متفجرة. ومن جانب آخر فإن الصين قد انتقلت من الدعم الاعلامي التاريخي إلى "الدبلوماسية الفاعلة"، وهو ما تجسد في رعاية "إعلان بكين" للمصالحة الفلسطينية في يوليو 2024، في خطوة لم تكن تهدف فقط لتوحيد البيت الفلسطيني، بل لتقديم بكين كـ "راعية سلام" بديلة قادرة على معالجة إخفاقات الدبلوماسية الأمريكية، ولتعزيز شرعية وجودها في منطقة ترفض الانفراد القطبي.
ومن وجهة نظري كباحث، فإن مسار التنافس الأمريكي الصيني في المنطقة أصبح يتخذ شكلاً "هجيناً" يمزج بين السباق التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي وبين السيطرة على العقد اللوجستية، وهو ما يضع القضية الفلسطينية في قلب هذا الصراع القيمي والمادي. حيث أن الصين تستثمر في "المظلومية الفلسطينية" لحشد الجنوب العالمي ضد ما تصفه بـ "المعايير المزدوجة" للغرب، بينما تحاول واشنطن تقديم صيغ "السلام الاقتصادي" كحل بديل للحقوق السياسية. إلا أن الدروس المستفادة من عام 2024 وحتى مطلع 2026 تؤكد أن أي مشروع دولي يتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية سيصطدم بجدار الواقع؛ وهنا يمكن القول بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف إنساني، بقدر ما هي صمام الأمان الوحيد الذي يضمن تحول الشرق الأوسط من ساحة لتصادم الإرادات الكبرى إلى منصة استقرار حقيقية للاقتصاد العالمي.
وعليه فإن مستقبل المنطقة بات معلقاً بقدرة القوى الدولية على إدراك أن أمن الممرات والأسواق يمر حتماً عبر بوابة العدالة السياسية في فلسطين.
وأختم بالقول أنه بدون إنصاف الفلسطينيين بتحقيق مصيرهم فوق أراضيهم ستبوء كل المحاولات بالفشل نظراً لأن الشعب متمسك بأرضه وحقه ولا يوجد من هو جاهز للتنازل عن تلك الحقوق الأصيلة لشعب متعطش للحرية ولم يتبفى له شيئ لخسارته.*