في مشهد يبدو للوهلة الأولى ساكنا، تقف غزة عند مفترق طرق لا يقود إلى أي اتجاه واضح. لا حرب شاملة تُنهي المأساة، ولا سلام حقيقي يفتح أفق الحياة، بل حالة من "الجمود" الثقيل الذي يخنق تفاصيل اليومي ويعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا وقسوة.
بعد التحولات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها التصعيد المرتبط بإيران، ساد اعتقاد بأن المنطقة قد تشهد إعادة ترتيب للأولويات قد تنعكس على قطاع غزة. غير أن الواقع أثبت أن القضية الفلسطينية، وغزة تحديدا، لا تزال أسيرة حسابات دولية وإقليمية لا تضعها في موقع الحسم، بل في دائرة "الإدارة المؤقتة" للأزمة.
هذا الجمود ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المتشابكة. فإسرائيل تمضي في استراتيجية واضحة تقوم على إبقاء القطاع في حالة توازن هش: لا انهيار كامل يستدعي تدخلاً جذرياً، ولا استقرار يسمح بنهوض حقيقي. إنها معادلة "الإبقاء على الحافة"، حيث يبقى الإنسان الغزي عالقا بين البقاء والمعاناة.
على الضفة الأخرى، يضيف الانقسام الفلسطيني الداخلي طبقة أخرى من التعقيد. فغياب الرؤية الوطنية الموحدة يُفقد أي جهد سياسي أو دبلوماسي زخمه، ويُضعف القدرة على استثمار التحولات الدولية، مهما كانت محدودة. وفي ظل هذا الواقع، تتحول غزة إلى مساحة انتظار مفتوح، لا تملك أدوات تغيير مصيرها بشكل مستقل.
إقليميا، ورغم كثافة الأحداث، لم تنجح أي من التحولات الكبرى في كسر هذا الجمود. فالدول منشغلة بأمنها ومصالحها، والتحالفات تُبنى وتُفكك وفق حسابات بعيدة عن أولوية إنهاء معاناة غزة. أما دوليا، فما زال التعاطي مع القطاع يتم من زاوية إنسانية إغاثية أكثر منه كقضية سياسية تتطلب حلاً جذرياً.
ومع ذلك، فإن الجمود لا يعني الثبات المطلق. تحت السطح، تتشكل تحولات بطيئة في الوعي العالمي، تقودها وسائل الإعلام الجديدة وحالة التعاطف الشعبي المتزايد مع الفلسطينيين. هذه التحولات، وإن بدت محدودة التأثير الآن، قد تشكل في المستقبل عنصر ضغط حقيقي يعيد تحريك المياه الراكدة.
إن أخطر ما في حالة الجمود ليس غياب الحل، بل الاعتياد على غيابه. حين يصبح الألم يوميًا، والحصار واقعاً طبيعياً، يفقد الحدث صدمته، وتفقد القضية زخمها. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف يمكن كسر هذا التكيف القاتل مع الأزمة؟
غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تعريف موقعها في المعادلة السياسية. تحتاج إلى إرادة فلسطينية موحدة، وضغط دولي حقيقي، وخروج من دائرة التوظيف الإقليمي. دون ذلك، سيبقى الجمود سيد الموقف، وسيبقى السؤال معلقًا: إلى متى؟
في النهاية، قد لا يكون الجمود نهاية الطريق، لكنه بالتأكيد أخطر مراحله، لأنه يمنح الجميع وهم الاستقرار، بينما الحقيقة أن كل شيء مؤجل… وقابل للانفجار في أي لحظة.